عائشة بنت ابي بكر:.

عـائشـة : ابنة اول الخلفاء, ابي بكر, عبداللّه بن ابي قحافة عثمان بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم الـقـرشـي , وامـهـا ام رومان ابنة عامر بن عويمر, ولدت في السنة الرابعة بعد البعثة , وتزوجها الـرسول بعد وفاة زوجته الاولى خديجة , قبل الهجرة بسنتين , وعمرها ست سنوات , وبنى بها في شهر شوال , بعد مضي ثمانية عشر شهرا من هجرته الى المدينة , وبعد غزوة بدر الكبرى , وقبض الـنـبي وهي في الثامنة عشرة من عمرها, وقد اقامت مع النبي ثمانية اعوام وخمسة اشهر, ومكثت بعده في خلافة ابي بكر وعمر وصدر من خلافة عثمان من المؤيدين للحكم القائم , ثم انحرفت عن عثمان , وتراست المعارضين , حتى اذا قتل قادت مناوئي ابن ابي طالب وخصومه الى حربه ـ حرب الـجـمل  ـ في البصرة وبعد ان غلبت في الحرب اعادها ابن ابي طالب مكرمة الى المدينة حيث بقيت هناك حتى اذا قتل ابن ابي طالب وتربع معاوية على دست الحكم واخذ يروج نشر فضائل آل امية خاصة وحزب عائشة ومعارضي ابن ابي طالب عامة اصبح لها في هذا الدور شان خطير مما سـنـسـتعرضه في ماياتي من هذا البحث ان شاء اللّه تعالى وكنيتها ام عبداللّه , تكنت باسم ابن اختها عبداللّه ابن الزبير .
وتـوفـيت (رض ) ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلون من شهر رمضان , من السنة السابعة او الثامنة او الـتـاسـعـة والخمسين , فصلى عليها ابو هريرة وهو يومذاك خليفة مروان على المدينة  ودفنت بوصية منها مع سائر امهات المؤمنين في البقيع  .
ادوار من حياتها.
في بيت الرسول (ص ).
سماتها: حزنها المفرط كلما بنى الرسول بزوجة جديدة , تعقبها.
الرسول الى المسجد, والى البقيع , كسر اواني الطعام , مع صفية , مع .
سودة , مع الواهبات انفسهن , هي ومليكة , هي واسماء, مع مارية ,.
قصة مارية , مع ذكرى خديجة , مع ابنة خديجة وصهرها.
سماتها العامة .
كانت ام المؤمنين عائشة (رض ) من اولئك القلائل من البشر, ذوي الطموح الخارق الذين لايقر لهم قـرار دون بلوغ القمة من المجد, وممن لايرضون لانفسهم ان يساميهم في العلياء بشر, وكانت الى ذلك ذات مزاج عصبي حاد عنيف , فيها حدة طبع , وحدة ذكاء, وغيرة شديدة , تغار على قلب زوجها, فـلا تـريد ان تشاركها فيه انثى غيرها, وتغار على ذوي قرباها, وتذهب نفسها حسرة على ضياع مـصالحهم , هذه هي الصفات الغالبة على حياتها العامة وعلى حياتها الزوجية الخاصة , وهي بعد ذلك من النساء الخالدات في التاريخ ابد الدهر.
في حياتها الزوجية  :.
مـن مـظاهر غيرتها الشديدة في حياتها الزوجية حزنها المفرط كلما بنى الرسول بزوجة جديدة , كـمـا حدثت هي بنفسها عن اثر الغيرة عليها عندما بنى بام سلمة  وزينب ومارية وغيرهن ممن ياتي ذكرهن في هذا الفصل .
تعقبها النبي (ص ):.
وتعقبها النبي كلما فقدته في ليالي نوبتها, فقد حدثت وقالت : فقدت رسول اللّه (ص ) فظننت انه اتى بـعـض جـواريه , فطلبته فاذا هو ساجد يقول : رب اغفر لي وقالت : فقدت النبي ذات ليلة , فظننت انه ذاهب الى بعض نسائه , فتحسست ثم رجعت فاذا هو راكع  وقالت : فقدت رسول اللّه (ص ) ذات ليلة من الفراش , فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهو يقول الحديث.
وقـالـت : لـمـا كانت ليلتي التي النبي (ص ) فيها عندي انقلب فوضع رداءه وخلع نعليه فوضعها عند رجليه وبسط طرف ازاره على فراشه , ثم اضطجع فلم يلبث الا ريثما ظن اني رقدت , فاخذ رداءه رويـدا وانـتـعـل رويـدا وفـتـح الباب فخرج ثم اجافه  رويدا فجعلت درعي في راسي واختمرت وتقنعت ازاري , ثم انطلقت على اثره حتى جاء البقيع , فقام فاطال القيام , ثم رفع يديه ثلاث مـرات , ثـم انحرف فانحرفت , فاسرع فاسرعت , فهرول فهرولت , فاحضر فاحضرت  , فـسـبقته , فدخلت , فليس الا ان اضطجعت فدخل فقال : مالك يا عائش حشياء رائبة  : قالت : قلت : لا شي ء يارسول اللّه قال : لتخبرنني او ليخبرني اللطيف الخبير, قالت : قلت : يارسول اللّه بابي انت وامي فاخبرته , قال : فانت السواد الذي رايت امامي , قلت : نعم , فلهزني في ظهري  لهزة فاوجعتني وقال : اظننت ان يحيف عليك اللّه ورسوله الحديث  .
وقالت : ان رسول اللّه خرج من عندها ليلا, قالت : فغرت عليه , قالت : فجاء فراى ما اصنع .
فقال : مالك ياعائشة : اغرت فقال رسول اللّه (ص ): افاخذك شيطانك الحديث  .
وقـالـت : قـام النبي (ص ) من الليل , فظننت انه ياتي بعض نسائه فاتبعته فاتى المقابر, ثم قال : سلام عليكم دار قوم مؤمنين ثم التفت فرآني .
فقال : ويحها لو استطاعت ما فعلت  .
كسر اواني ازواج الرسول (ص ):.
ومـن آثـار حـدة طبعها كسرها اواني ازواج النبي اللائي كن يبعثن بطعام الى النبي عندما كان في دارها, كما صنعت ذلك باناء ام سلمة , على ما اخرجه النسائي في صحيحه  عن ام سلمة : انها اتت بطعام في صحفة لها الى رسول اللّه , فجاءت عائشة متزرة بكساء ومعها فهر , ففلقت به الصحفة , فارسل النبي صحفة عائشة الى ام سلمة .
وكسر اناء حفصة  على ما اخرجه احمد في مسنده  :.
عن ام المؤمنين عائشة في حديث لها: قالت صنعت له طعاما, وصنعت حفصه له طعاما فقلت لجاريتي : اذهـبـي فـان جـاءت هـي بـالـطـعام فوضعته قبل فاطرحي الطعام , قالت : فالقته الجارية , فوقعت الـقـصعة  , فانكسرت وكان نطعا  قالت : فجمعه رسول اللّه (ص ), وقال : اقتصي ظرفا مكان ظرفك .
.
كسر اناء صفية :.
في مسند احمد عن عائشة قالت : بعثت صفية الى رسول اللّه بطعام قد صنعته له , وهو عندي , فلما رايت الجارية اخذتني رعدة حتى استقلني  افكل فضربت القصعة فرميت بها, قالت : فنظر الي رسول اللّه (ص ) فعرفت الغضب في وجهه , فقلت اعوذ برسول اللّه (ص ) ان يلعنني اليوم , قالت : قال اولي , قالت : قلت : وما كفارته يارسول اللّه ؟ قال طعام كطعامها واناء كانائها.
مع صفية :.
وفي طبقات  ابن سعد: استبت عائشة وصفية , فقال رسول اللّه لصفية : الا قلت : ابي هارون وعمي موسى , وذلك ان عائشة فخرت عليها.
وروى الـتـرمذي عنها انها قالت : (قلت للنبي : حسبك من صفية كذا وكذا, فقال لها النبي (ص ): لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته ـ تغير بها طعمه , ادركه لشدة نتنها ـ) .
وفـي المستدرك  عن صفية قالت : دخل علي رسول اللّه (ص ) وانا ابكي , فقال : ياابنة حيي مايبكيك قلت : بلغني ان عائشة وحفصة ينالان مني الحديث .
مع سودة :.
في الاجابة : سمعت ام المؤمنين عائشة سودة  تنشد:.
(عدي وتيم تبتغي من تحالف ) فقالت عائشة لحفصة : ماتعرض الا بي وبك ياحفصة , فاذا رايتني اخذت براسها فاعينيني فقامت فاخذت براسها, وخافت حفصة فاعانتها, وجاءت ام سلمة فاعانت سودة فاتي النبي (ص ) فاخبر وقيل له : ادرك نساءك يقتتلن .
فقال : (ويحكن مالكن) فقالت عائشة : (يارسول اللّه الا تسمعها تقول : (عدى تيم تبتغي من تحالف ).
فقال : (ويحكن ليس عديكن ولا تيمكن , انما هو عدي تميم وتيم تميم ) الحديث .
مع مليكة :.
اخـرج ابن سعد في طبقاته وقال : تزوج النبي مليكة بنت كعب , وكانت تذكر بجمال بارع , فـدخلت عليها عائشة , فقالت لها: اما تستحين ان تنكحي قاتل ابيك , فاستعاذت من رسول اللّه فطلقها, فجاء قومها الى النبي (ص ) فقالوا: يارسول اللّه انها صغيرة وانها لا راي لها وانها خدعت فارتجعها, فابى رسول اللّه , وكان ابوها قتل في يوم فتح مكة , قتله خالد بن الوليد بالخندمة  .
مع اسماء:.
واخـرج ابـن سـعـد فـي طبقاته عن ابن عباس : قال : تزوج رسول اللّه (ص ) اسماء بنت الـنعمان , وكانت من اجمل اهل زمانها اشبه , قال : فلما جعل رسول اللّه (ص ) يتزوج الغرائب , قالت عـائشة : قد وضع يده في الغرائب , ويوشكن ان يصرفن وجهه عنا, وكان خطبها حين وفدت كندة عليه الى ابيها, فلما رآها نساء النبي (ص ) حسدنها, فقلن لها: ان اردت ان تحظي عنده فتعوذي باللّه مـنـه اذا دخل عليك , فلما دخل , والقى الستر, مد يده اليها, فقالت : اعوذ باللّه منك , فقال : (امن عائذ اللّه وروى حـمـزة بـن ابـي اسيد الساعدي عن ابيه , وكان بدريا قال : تزوج الرسول (ص ) اسـمـاء بـنت النعمان الجونية فارسلني فجئت بها, فقالت حفصة لعائشة او عائشة لحفصة : اخضبيها انت , وانا امشطها ففعلن , ثم قالت احداهما:.
(ان النبي يعجبه من المراة اذا دخلت عليه ان تقول اعوذ باللّه منك , فلما دخلت وارخى الستر مد يده الـيها, فقالت : اعوذ باللّه منك  بكمه على وجهه , واستتر به وقال : (عذت معاذا) ثلاث مرات قال ابو اسيد: ثم خرج علي فقال : ياابا اسيد ـ فكانت تقول : ادعوني الشقية ) .
يـظـهـر من هذه النصوص , ان المتعوذة باللّه من الرسول بتعليم من ام المؤمنين ايضا كانت اكثر من واحدة .
مع مارية :.
اخـرج ابـن سـعد في طبقاته عن عائشة , قالت : ما غرت على امراة الا دون ماغرت على مارية , وذلك انها كانت جميلة جعدة , واعجب بها رسول اللّه (ص ) وكان انزلها اول ما قدم بها في بيت حارثة بن  النعمان ـ الى قولها ـ وفزعنا لها فجزعت , فحولها رسول اللّه (ص ) الـى الـعـالـية , فكان يختلف اليها هناك , فكان ذلك اشد علينا, ثم رزقه اللّه الولد وحرمناه الحديث

في الاستيعاب واسد الغابة  : ان معاوية لما قدم المدينة دخل على عائشة (رض ) فكان اول ما قالت له في قتل حجر, في كلام طويل , فقال معاوية :.
دعيني وحجرا حتى نلتقي عند ربنا.
ومن الكلام الطويل الذي دار بينهما ما رواه ابن عبدالبر ايضا حيث قال :.
لـمـا حـج معاوية جاء الى المدينة زائرا فاستاذن على عائشة (رض ) فلما قعد, قالت له : يا معاوية امـنـت ان اخبئ لك من يقتلك باخي محمد بن ابي بكر خشيت اللّه في قتل حجر واصحابه , قال : انما قتلهم من شهد عليهم وقد سمعت النبي انه قال في جوابها: ماكنت لتفعليه وانا في بيت امان يقول : الايمان قيد الفتك كيف انا في الذي بيني وبينك وفي حوائجك قالت : صالح , قال : فدعينا واياهم حتى نلتقي عند ربنا عز وجل اننا نعلم ان محمد بن ابي بكر كان قد قتل سنة سبع وثلاثين , وحجر بعد الخمسين , فلماذا سكتت ام الـمؤمنين كل هذه السنوات الطوال عن مطالبة معاوية بدم اخيها, حتى اذا قتل حجر ذكرته ؟ ان الـسبب في ذلك انها كانت قد اوفدت الحارث من المدينة الى الشام تشفع في حجر, وانتشر خبر ذلـك فـي البلاد وفيما الناس مع ام المؤمنين واثقون من نجاح مسعاها, واذا بالوفد يرجع خائبا, ولم يـسبق لها مثل ذلك , فعظم عليها, وغضبت على معاوية , وجابهته بقوارص الكلم , وذكرته بدم اخيها الـمـهـدور بعد زهاء خمس عشرة سنة , فلان لها معاوية , وذكرها بما بينهما, وبسوابقه في قضاء حـوائجـهـا, غير ان كل ذلك لم يخفف من سورة غضبها, وبقيت حانقة عليه خاصة , وعلى بني امية عامة , لان الخلاف بينهما كان قد اتسعت شقته بعد مخالفة عبدالرحمن شقيق ام المؤمنين لبيعة يزيد, وموته الفجائي اثر هذه المخالفة .
وقـد اخـرج الـبخاري قصة مخالفته باختزال في صحيحه  وقال : كان مروان واليا على الـحـجـاز اسـتـعـمـلـه مـعاوية , فخطب فجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايع بعد ابيه , فقال له عـبـدالرحمن بن ابي بكر شيئا, فقال : خذوه , فدخل بيت عائشة , فلم يقدروا عليه , فقال مروان : ان هذا الذي انزل اللّه فيه :.
(والـذي يـقول لوالديه اف لكما اتعدانني ) فقالت عائشة من وراء الحجاب : ما انزل اللّه فينا شيئا من القرآن الا ان اللّه انزل عذري .
وروى ابن الاثير  ان معاوية كتب الى مروان في بيعة يزيد, فقام مروان خطيبا فقال :.
انـ امير المؤمنين قد اختار لكم , فلم يال , وقد استخلف ابنه يزيد بعده , فقام عبدالرحمن بن ابي بكر فـقـال : كـذبـت واللّه يـا مـروان تـجـعـلـوها هرقلية , كلما مات هرقل قام هرقل فقال مروان : هذا الذي انزل اللّه فيه (والذي قال لوالديه اف لكما) الاية , فسمعت عائشة مقالته من وراء الحجاب , فقامت من وراء الحجاب , وقالت : يا مـروان القرآن وفـي روايـة , فـقـالت : كذب واللّه فمروان فضض من لعنة اللّه عز وجل انتهى .
لـم يـتـمكن مروان من اخذ البيعة ليزيد, فقدم معاوية الحجاز حاجا, ودخل المدينة وكان من خبره معهم ما ذكرنا بعضه , ومن خبرهم ايضا ما رواه ابن عبدالبر  حيث قال :.
قعد معاوية على المنبر يدعو الى بيعة يزيد, فكلمه الحسين بن علي , وابن الزبير, وعبدالرحمن بن ابـي بكر, فكان كلام ابن ابي بكر: اهرقلية وبـعـث الـيـه مـعاوية بمائة الف درهم بعد ان ابى البيعة ليزيد, فردها عليه عبدالرحمن , وابى ان ياخذها, وقال : ابيع ديني بدنياي ؟ وذكـر ابـن عبد البر بعده وقال : ان عبدالرحمن مات فجاة بموضع يقال له : (الحبشي ) على نحو عشرة اميال من مكة فدفن بها, ويقال : انه توفي في نومة نامها, ولما اتصل خبر موته باخته عـائشـة ام المؤمنين (رض ) ظعنت من المدينة حاجة حتى وقفت على قبره , وكانت شقيقته , فبكت عليه وتمثلت :.
وكنا كندماني جذيمة حقبة ـــــ من الدهر حتى قيل لن يتصدعا.
فلما تفرقنا كاني ومالكا ـــــ لطول اجتماع لم نبت ليلة معا .
اما واللّه لو حضرتك لدفنتك حيث مكانك , ولو حضرت ما بكيت .
وفـي المستدرك : رقد في مقيل قاله فذهبوا يوقظونه فوجدوه قد مات فدخل نفس عائشة تهمة ان يكون صنع به شر وعجل عليه فدفن وهو حي .
دب الخلاف بين ام المؤمنين وبني امية من جديد, ووقع الشر, وخسرت ام المؤمنين في هذه المعركة شقيقها عبدالرحمن , حيث مات ميتة مجهولة , بل ميتة معلومة حين مات في طريقه الى مكة , كما مات الاشتر  في طريقه الى مصر, مات عبدالرحمن بن ابي بكر كما مات عبدالرحمن بن خالد , وسعد بن ابي وقاص , والحسن بن علي , مات هؤلاء جميعا ليفسحوا المجال لاخذ البيعة ليزيد.
وقع الشر بين ام المؤمنين وبني امية من جديد, وفقدت ام المؤمنين شقيقها في هذه المرة , وليس لها من الانصار ما تستطيع ان تقيمها حربا عوانا على بني امية بعد ان فقدت طلحة والزبير, ومحمد بن طلحة وبعدالرحمن بن ابي بكر الى آخرين , فتمثلت بشعر لبيد:.
ذهب الذين يعاش في اكنافهم ـــــ وبقيت في خلف كجلد الاجـرب .
لا ينفعـون ولا يرجى خيرهم ـــــ ويعاب قائلهم وان لم يشـغب .
تـقـدم الـسـن بـام المؤمنين , فلا تستطيع الركوب وقطع المفاوز لاشعال نار الحرب على آل امية بـالـسيف , فاعلنت عليهم حرب الدعاية , وبدات بمروان امير المدينة الغشوم , فجابهته بما ورد عن الـرسول في ابيه , من لعنه اباه , وهو في صلبه , وانه فضض من لعنة اللّه , ونرى انها لم تكتف بذكر الـحـديـث في ذم بني امية حسب , وانما اخذت تحدث في هذا الدور بما سمعته عن رسول اللّه في فـضـل علي وفاطمة وامها خديجة , ارغاما لبني امية عامة , ولمعاوية خاصة , فانه لم يكن اشد على معاوية من نشر فضائل علي وفاطمة وخاصة لمكان الحسين بين المسلمين , فقد كان يومذاك المرشح الاول لـلـخـلافة الاسلامية , اذن فما ورد من الحديث النزر اليسير عن ام المؤمنين في فضل علي وفاطمة وامها خديجة ينبغي ان يكون ذلك كله في هذا الدور.
ومن المظنون ان اغلب ما روي عنها من الندم على موقفها يوم الجمل كان بدؤه من هذا الوقت , ثم بقيت على ذلك الى آخر ايامها.
.

ندمها من يوم الجمل :.

روى الـطـبـري  عن ابي جندب انه قال : دخلت على عائشة (رض ) بالمدينة , فقالت : من انت ؟.
قلت : رجل من الازد اسكن الكوفة .
قالت : اشهدتنا يوم الجمل ؟.
قلت : نعم .
قالت : لنا ام علينا؟.
قلت : عليكم .
قالت : افتعرف الذي يقول : يا امنا يا خير ام نعلم قـلـت : نعم , ذاك ابن عمي فبكت حتى ظننت انها لا تسكت وروى ابن الاثير  وقال : ذكر لعائشة يوم الجمل , فقالت : والناس يقولون يوم الجمل ؟ قالوا لها: نعم فقالت : وددت اني لو كنت جلست كما جلس صواحبي وكان احب الي من ان اكون ولدت من رسول اللّه بضع عشرة كلهم مثل عبدالرحمن ابن الحارث بن هشام , او مثل عبداللّه بن الزبير.
وروى مـسروق وقال : كانت عائشة (رض ) اذا قرات : (وقرن في بيوتكن ) بكت حتى تبل خمارها.
واخـرج ابن سعد في طبقاته : ان ابن عباس دخل على عائشة قبل موتها فاثنى عليها: فلما خـرج , قـالـت : لابن الزبير اثنى علي عبداللّه بن العباس ولم اكن احب ان اسمع احدا اليوم يثني علي لوددت اني كنت نسيا منسيا ـ اي حيضة ـ انتهى . ان عائشة لما احتضرت جزعت فقيل لها: اتجزعين ؟ يا ام المؤمنين وابنة ابي بكر الصديق ؟ فقالت : ان يوم الجمل لمعترض في حلقي ليتني مت قبله , او كنت نسيا منسيا.
وروى ابن سعد ايضا: ان عائشة قالت : واللّه لوددت اني كنت شجرة , واللّه لوددت اني كنت مدرة , واللّه لوددت ان اللّه لم يكن خلقني .
وروى ايـضـا ان عائشة قالت عند وفاتها: اني قد احدثت بعد رسول اللّه , فادفنوني مع ازواج النبي (ص ) قـال الـذهبي  تعني بالحديث مسيرها يوم الجمل وروى الذهبي وقال : وتوفيت في الـلـيـلـة السابعة عشرة من شهر رمضان بعد الوتر سنة ثمان وخمسين , فامرت ان تدفن من ليلتها, فاجتمع الانصار وحضروا, فلم تر ليلة اكثر ناسا منها, وحمل معها جريد بالخرق , وقال الراوي :.
رايت النساء بالبقيع كانه عيد, وصلى عليها ابو هريرة , وكان خليفة .
مروان .
وكان مدة عمرها ثلاثا وستين سنة , واشهرا  .
لـقـد تتبعنا حياة ام المؤمنين عائشة منذ ايامها الاولى في بيت الرسول حتى آخر ساعات حياتها في عصر معاوية , ودرسنا نواحي شخصيتها الفذة في كل مكان , وبقي بعض مزاياها اللاتي سنستعرضها فيما يلي .

جـودها:.

اخـرج ابـو نـعـيـم عـن عبدالرحمن بن القاسم ـ ابن اخيها محمد ـ قال : اهدي لها سلال من عنب , فقسمته , ورفعت الجارية سلة , ولم تعلم بها عائشة (رض ):.
فلما كان الليل جاءت به الجارية , فقالت عائشة (رض ): ماهذا قالت : يا سيدتي رفعت لناكله , قالت عائشة (رض ): افلا عنقودا واحدا واللّه لا اكلت منه شيئا.
وعـن ام ذرة ـ وكـانـت تـغشى عائشة ـ قالت : بعث اليها بمال في غرارتين  , قالت : اراه ثمانين او مائة الف , فدعت بطبق وهي يومئذ صائمة , فجلست تقسم بين الناس , فامست وما عندها من ذلـك درهـم , فلما امست , قالت : يا جارية اسـتـطـعـت مـمـا قسمت اليوم ان تشتري لنا لحما بدرهم نفطر عليه ذكرتيني لفعلت  .
وعن عروة ـ ابن اختها ـ قال : لقد رايت عائشة (رض ) تقسم سبعين الفا وانها لترقع جيب درعها.
وصـعـب على ابن الزبير السكوت عن كل هذا, فقد حدث ابو نعيم وغيره وقالوا: ان عائشة باعت ربـاعها, فقال ابن الزبير: لاحجرن عليها, فقالت عائشة (رض ): للّه علي الا اكلم ابن الزبير حتى افارق الدنيا, فطالت هجرتها,.
فاستشفع ابن الزبير بكل احد, فابت ان تكلمه , فقالت : واللّه لا آثم فيه ابدا, فلما طالت هجرتها جاء مـع الـمـسور بن مخرمة , وعبدالرحمن بن الاسود الى باب عائشة وقد شملاه بارديتهما فاستاذنا عليها ان يدخلا ومن معهما, فاذنت , فدخلوا عليها, فاعتنقها ابن الزبير, فبكى وبكت عائشة (رض ) بـكاء كثيرا, وناشدها ابن الزبير اللّه والرحم , فلما اكثروا عليها كلمته , ثم بعثت الى اليمن , فابتيع لها اربعين (كذا) رقبة  .
هذه بعض القصص عن جودها, ومر ذكر بعضها الاخر في باب رعاية معاوية اياها في المال .
.

صلتها للرحم :.

كانت ام المؤمنين وصولا للرحم , حانية على اقربائها, وبهذا الخلق الكريم بلغت الذروة , بل جاوزت الـحـدود الـمعروفة فيه , وكانت نقمتها على مناوئيهم من آثار شفقتها عليهم , وفيما سبق ذكره من ترجمتها لاكثر من دليل على ذلك , ومن اجلى مظاهر حنوها على اقربائها قصتها مع اخيها محمد بن ابـي بكر, فانهما بعد ان اشتركا في الاجهاز على عثمان , اختلفا بعده , فدخل محمد تحت راية علي , وجـرد الـسيف في وجهها, وحاربها في البصرة , حتى اذا انتهت المعركة امره علي ان يتعاهد اخته فلما ادخل راسه اليها, قالت : من انت ويلك ؟ ابغض اهلك اليك  .
ثـمـ قتل محمد هذا في مصر, وادخل راسه في جيفة حمار, واحرق , وبلغ ذلك عائشة , فبكت بكاء شديدا.
ولـما بلغ ام حبيبة اخت معاوية بن ابي سفيان قتل محمد وتحريقه شوت كبشا, وبعثت به الى عائشة تشفيا بقتل محمد بطلب دم عثمان , فقالت عائشة :.
قاتل اللّه ابنة العاهرة , واللّه لا اكلت شواء ابدا, ثم ضمت عياله اليها  .
قـال الـقاسم بن محمد بن ابي بكر: لما قتل معاوية بن خديج الكندي , وعمرو بن العاص ابي بمصر, جـاء عـمـي عـبدالرحمن بن ابي بكر, فاحتملني , واختا لي من مصر, فقدم بنا المدينة , فبعثت الينا عـائشة , فاحتملتنا من منزل عبدالرحمن اليها, فما رايت والدة قط, ولا والدا ابر منها, فلم نزل في حـجرها على فخذها, ثم بعثت الى عمي عبدالرحمن , فلما دخل عليها, قالت له بعد حمد اللّه والثناء عـلـيـه : يـا اخي تـطـاولا عـلـيك , ولا تهمة لك فيهما, ولا لشي ء تكرهه , ولكنك كنت رجلا ذا نساء, وكانا صبيين لايكفيان من .
انـفسهما شيئا, فخشيت ان ترى نساؤك منهما ما يتقذرن به من قبيح امر الصبيان , فكنت الطف لذلك , واحق لولايته , اما الان , فقد قويا على انفسهما وشبا, وعرفا ما ياتيان , فها هما هذان , فضمهما اليك , وكـن لهما كحجية بن المضرب اخي كندة , ثم ذكرت له : ان الحجية كان له اخ مات , وترك صغارا, فكان عمهم يؤثرهم على بنيه , ثم عرض له سفر, فاوصى بهم امراته , فغاب اشهرا, ثم رجع , فراى الصبيان قد ساءت حالهم , فقال لامراته : ويلك مالي ارى بني اخي مهازيل , وبني سمانا؟ ثم خلا بالصبيان وسالهم فقالوا: كانت سيئة معنا, ما كانت تعطينا من القوت الا قدحا صغيرا من اللبن , فغضب وقال لراعيي ابله لما اراحا عليه : اذهبا فانتما وابلكما لبني اخي  .
ان ام الـمؤمنين بكت اخاها القتيل محمد, ولم تنسه مدى حياتها, ورعت حقه اذ انتزعت صغيريه من بـيت عمهما خشية تقذر نسائه منهما وربتهما في كنفها كالام الحنون , حتى اذا اشتدت سواعدهما, وآن ان يـرجـى مـنهما الخير دفعتهما الى عمهما بعد ان اوصته ان يكون لهما كحجية بن المضرب حين آثر بني اخيه على بنيه , وبذلك رعت حق الحي بعد الميت , وحفظت حقوق الصغار من الضياع .
ومـن آثار شفقتها على ذوي قرباها اعطاؤها عشرة آلاف لمن بشرها بحياة ابن الزبير اذ التقى مع الاشتر في حرب الجمل  .
هذه الى كثير من نظائرها في حياة ام المؤمنين تكشف عن مدى حدبها على اقربائها ورعايتها لهم .
لابـد لـلشخصيات المؤثرة في نفوس البشر, والموجهة اياهم من بصر بمواقع الكلام , وبلاغة في القول , وجزالة في الاسلوب , وقد اتيت ام المؤمنين حظا وافرا من كل ذلك .
قـال مـعـاوية بعد انصرافه من بيتها, وكان متكئا على يد مولاها ذكوان : واللّه ما سمعت قط ابلغ من عائشة ليس رسول اللّه (ص ).
وقـال الاحـنف بقيس : سمعت خطبة ابي بكر, وعمر, وعثمان , وعلي , والخلفاء بعدهم , فما سمعت الكلام من فم مخلوق افخم , ولا احسن منه من فم عائشة  .
وسـال مـعاوية زيادا يوما: اي الناس ابلغ ؟ فقال له : (انت يا امير المؤمنين ), فقال له : (اعزم عليك ), فـقـال لـه : (حيث عزمت علي فابلغ الناس عائشة ), فقال معاوية : (ما فتحت بابا قط تريد ان تبلغه الا اغلقه , ولا اغلقت بابا تريد ان تفتحه الا فتحته ) .
وفـيـمـا مـر علينا من محاورات ام المؤمنين مع ام سلمة وابي الاسود الدئلي , وكتبها, وخطبها في حرب البصرة وغيرها  دلائل على صدق قول معاوية .
وكـانـت كـثيرا ما تتمثل في كلامها باشعار لبيد وغيره وقد حدثت هي نفسها وقالت : رويت للبيد نحوا من الف بيت  .
وقالوا: ربما روت عائشة القصيدة ستين بيتا او اكثر .
وذلك بما وهبها اللّه من ذاكرة قوية , واليها كانت تعزو علمها بالطب , قال عروة : ما رايت احدا اعلم بـالـطب من عائشة (رض ), فقلت : يا خالة لبعض فاحفظه  , وكانت تقرا المصحف ولا تكتب  .

ما كانت تلبس من الزينة :.

لـم تـنـس ام المؤمنين قول اللّه تعالى : (قل من حرم زينة اللّه التي اخرج لعباده ) (الاعراف /32) وكانت تلبس ما رواه ابن سعد عن القاسم بن محمد بن ابي بكر قال :.
كانت تلبس المعصفرات , والخواتم من ذهب و (المعصفر): المصبغ باللون الاصفر.
وعن شميسة انها دخلت على عائشة , وعليها ثياب من هذه السيد.
الصفاق  ودرع , وخمار, ونقبة  .
وعن عروة : كان لعائشة كساء خز تلبسه , فكسته عبداللّه بن الزبير,.
وفي رواية : مطرف خز والمطرف رداء من خز ذو اعلام .
وان محمد بن الاشعث اهدى اليها فروا فكانت تلبسه في البرد.
وعـن امـيـنـة : رايـت عـلـى عـائشـة ملحفة مورسة , وخمارا جيشانيا الى السواد ما هو .
وعن معاذة العدوية قالت : رايت على عائشة ملحفة صفراء  .
وعن بكرة بنت عقبة انها دخلت على عائشة وهي جالسة في معصفرة  .
وعـن ابـي مـلـيـكـة : رايـت عـليها درعا مضرجا, فقيل له : وما المضرج , قال : هذا الذي تسمونه بالمورد  .
وعن القاسم : كانت عائشة تحرم في الدرع المعصفر وانها كانت تلبس الاحمرين الذهب والمعصفر, وهي محرمة  .
وعـن عـبـدالـرحـمن بن القاسم عن امه انها قالت : رايت على عائشة ثيابا حمرا كانه الشرر وهي محرمة  .
وعن عطاء قال : كنت آتي عائشة انا وعبيدة بن عمير, وهي مجاورة في جوف ثبير  في قبة لها عليها غشاؤها, وقد رايت عليها وانا صبي درعا معصفرا.
وقال البخاري : ولبست عائشة الثياب المعصفرة وهي محرمة .

رايها في رضاع الكبير:.

كـانـت ام الـمـؤمنين عائشة على اثر ارجاع الخلفاء اليها في السنن منذ عهد الخليفتين حتى عصر مـعاوية ـ عدا علي بن ابي طالب ـ اكثر امهات المؤمنين حاجة لملاقاة المستفتين كما انها اشتركت في حوادث سياسية عنيفة مما لم نعهد لغيرها من امهات المؤمنين ان يشتركن في نظائرها فلعل هذا وذاك كـان الباعث لها ان تتاول في حديث رضاع سالم مولى ابي حذيفة خلافا لسائر امهات المؤمنين وحديث رضاع سالم في مسند احمد  كما يلي :.
عـن عائشة قالت : اتت سهلة بنت سهيل بن وعمرو, ـ وكانت تحت ابي حذيفة بن عتبة ـ رسول اللّه (ص ), فـقـالـت : ان سالما مولى ابي حذيفة يدخل علينا, وانا فضل  , وانا كنا نراه ولدا, وكان ابو حذيفة تبناه كما تبنى رسول اللّه (ص ) زيدا, فانزل اللّه : (ادعوهم لابائهم هو اقسط عند اللّه ), فـامرها رسول اللّه (ص ) عند ذلك ان ترضع سالما, فارضعته خمس رضعات , وكان بمنزلة ولدها من الرضاعة , فبذلك كانت تامر اخواتها وبنات اخواتها ان يرضعن من احبت عائشة ان يراها, ويـدخل عليها, وان كان كبيرا, بخمس رضعات , ثم يدخل عليها, وابت ام سلمة وسائر ازواج النبي (ص ) ان يـدخلن عليهن بتلك الرضاعة احدا من الناس حتى يرضع في المهد, وقلن لعائشة : واللّه ما ندري لعلها كانت رخصة من رسول اللّه لسالم دون الناس .
وقد ورد في صحيح مسلم تفصيل هذه القصة في ستة احاديث  وآخرها في لفظ مسلم :.
وقـلن لعائشة : واللّه ما نرى هذا الا رخصة ارخصها رسول اللّه (ص ) لسالم خاصة فما هو بداخل علينا احد بهذه الرضاعة ولا رائينا.
ويـظـهر مما ذكره الشافعي في باب الرضاع من كتاب الام : ان ام المؤمنين حفصة تابعت ام المؤمنين عائشة في اجتهادها وفتواها.
وكـان سـالـم بـن عبداللّه بن عمر من اولئك , فقد ذكر ابن سعد  ان ام المؤمنين عائشة ارسلته الى ام كلثوم زوج عبداللّه بن ربيعة لترضعه ليدخل عليها, ويسمع منها الحديث .
ونرى ان الحديث الاتي يؤيد راي ام سلمة , وسائر ازواج النبي في حديث الرضاع :.
فـي صـحيح مسلم  عن مسروق قال : قالت عائشة : دخل علي رسول اللّه (ص ) وعندي رجـل قـاعـد, فـاشـتد ذلك عليه , ورايت الغضب في وجهه قالت : فقلت يا رسول اللّه الرضاعة , قالت : فقال انظرن اخوتكن من الرضاعة فانما الرضاعة من المجاعة .
وقـال النووي في شرحه : قوله عليه السلام : (انظرن اخوتكن ) اي تاملن وتفكرن ما وقع من ذلك هل هو رضاع صحيح بشرطه من وقوعه في زمن الرضاعة ؟ فانما الرضاعة من المجاعة وهو علة لـوجـوب الـنـظر والتامل , و(المجاعة ) مفعلة من الجوع يعني ان الرضاعة التي تثبت بها الحرمة , وتـحـل بـهـا الخلوة , هي حيث يكون الرضيع طفلا يسد اللبن جوعته , ولا يحتاج الى طعام آخر, والـكـبير لا يسد جوعته الا الخبز, فليس كل مرتضع لبن ام اخا لولدها, وفي سنن الترمذي : (لا يـحـرم من الرضاع الا ما فتق الامعاء) اي ما وقع من الصبي موقع الغذاء, بان يكون في مدة الرضاع وهي معروفة في الفقه على خلاف فيها  .
والرواية هذه في سنن الترمذي  عن ام سلمة , وتتمة الرواية هكذا: (الاما فتق في الامعاء في الثدي وكان قبل الفطام ).
قـال ابـو عـيسى : هذا حديث حسن صحيح , والعمل على هذا عند اكثر اهل العلم من اصحاب النبي (ص ), وغيرهم ان الرضاعة لا تحرم الا ما كان دون الحولين , وما كان بعد الحولين الكاملين , فانه لا يحرم شيئا انتهى .
كـانـت الاحاديث الماضية تخالف فتوى ام المؤمنين عائشة (رض ) في رضاع الكبير, ولا يقوم لهذه الاحاديث ما روت هي عن رسول اللّه (ص ) بانه امر سهلة ان ترضع سالما ويدخل عليها سالم بذلك الـرضـاع , وخـاصة بعد مخالفة سائر زوجات الرسول اياها في هذا الحكم , فكان خير علاج لهذه الـمـشـكـلة وجود آية من القرآن تؤيد فتواها كما ورد حديث بذلك في مسند احمد (6 / 269) وسنن ابن ماجة الحديث المرقم 1944 من كتاب النكاح (1 / 625) وهذا نص الحديث :.
عن عائشة , قالت :.
لـقـد نزلت آية الرجم ورضاعة الكبير عشرا ولقد كان في صحيفة تحت سريري فلما مات رسول اللّه (ص ) وتشاغلنا بموته , دخل داجن فاكله .
وكانت ام المؤمنين عائشة (رض ) تفتي بكفاية خمس رضعات  وروى عنها في ذلك مسلم في صحيحه والدارمي في سننه ومالك في موطئه واللفظ للاول وهذا نص الحديث :.
عن عائشة قالت :.
(كان فيما انزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات ).
خلاصة البحث :.
كـانت ام المؤمنين عائشة : تفتي بان الرجل الكبير اذا ارضعته امراة خمس رضعات تنتشر الحرمة بينه وبين المرضع ونسائها وتعمل بفتواها وترسل الرجل الذي (احبت ان يراها ويدخل عليها) الى اخواتها وبنات اخيها فيرضعن كذلك ويدخل عليها بتلك الرضاعة , وكان سالم بن عبداللّه من اولئك , فقد بعثته الى اختها ام كلثوم فارضعته وقالت في جواب انكار ازواج الرسول عليها: ان الرسول امر سهلة زوجة ابي حذيفة ان ترضع مولاهم سالما الذي كان متبناهم قبل ذلك ان ترضعه خمس رضعات ويـدخل عليها بذلك , وابت ازواج الرسول ان يدخل عليهم احد حتى يرضع في المهد, وقلن لعائشة : لعلها كانت رخصة لسالم دون الناس , وكانت الاحاديث تؤيد رايهن وعلاجا لهذه القالة روي عنها في الصحاح والمسانيد ان هذا الحكم كان قد انزل في القرآن الكريم هكذا.
(عشر رضعات يحرمن ) ثم نسخن بـ (خمس معلومات ).
وجـوابـا لـلـسـؤال عـن سبب فقدان الاية المزبورة روي ـ عنها ايضا ـ: لقد انزلت آية الرجم و (رضـاعة الكبير عشرا) ولقد كان في صحيفة تحت سريري فلما مات رسول اللّه (ص ) وتشاغلنا بموته , دخل داجن فاكله .

اثر حديث ام المؤمنين عائشة واجتهادها.

اجـتهدت ام المؤمنين عائشة وقالت كان في ما انزل من القرآن (عشر رضعات معلومات يحرمن ) ثم نسخن بـ (خمس معلومات ) وانتج اجتهادها المذكور نتيجتين :.

اولا ـ في علوم القرآن .

اوجد روايتها السابقة القول بوجود نسخ التلاوة ونسخ الحكم معا, اي ان اللّه انزل على رسوله آية فـي حـكم وبلغها الرسول (ص ) الى المسلمين وتلاها المسلمون ثم نسخ اللّه لفظ ذلك الحكم الذي شرعه في الاية بحكم آخر في آية اخرى ثم نسخ اللّه لفظ تلك الاية مع نسخ حكمها, واستشهدوا على ذلك برواية ام المؤمنين عائشة الانفة كما قال الزركشي :.
الـثالث : نسخهما ـ لفظ الاية وحكمها ـ جميعا,فلا تجوز قراءته ولا العمل به , كية التحريم بعشر رضـعـات فـنـسـخـن بخمس , قالت عائشة , كان مما انزل عشر رضعات معلومات ,فنسخن بخمس معلومات , فتوفي رسول اللّه (ص ) وهي مما يقرا من القرآن رواه مسلم .
وقـد تكلموا في قولها: (وهي مما يقرا) فان ظاهره بقاء التلاوة , وليس كذلك , فمنهم من اجاب بان الـمـراد قارب الوفاة , والاظهر ان التلاوة نسخت ايضا ولم يبلغ ذلك كل الناس الا بعد وفاة رسول اللّه (ص ) فتوفي وبعض الناس يقراوها .

ثانيا ـ في علوم احكام الاسلام :.

واسـتـنـادا الى حديثها الانف الذكر وامرها اخواتها وبنات اخواتها ان يرضعن من احبت عائشة ان يـراها ويدخل عليها خمس رضعات ثم يدخل عليها, افتى بعض العلماء بانتشار الحرمة بين المرضع والمرضعة بخمس رضعات كما قال ابن قدامة في بيان عدد الرضعات :.
عـن عـائشة انها قالت : انزل في القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن فنسخ من ذلك خمس وصار الـى خـمـس رضـعـات مـعـلـومـات يـحـرمن فتوفي رسول اللّه (ص ) والامر على ذلك , رواه مسلم .
وقال ابن رشد في بداية المجتهد:.
واتـفقوا على ان الرضاع بالجملة يحرم منه ما يحرم من النسب : اعني ان المرضعة تنزل منزلة الام , فـتـحـرم على المرضع هي وكل من يحرم على الابن من قبل ام النسب واختلفوا من ذلك في مسائل كـثيرة القواعد منها تسع : احداها: في المقدار المحرم من اللبن والثانية : في سن الرضاع , والثالثة : فـي حـال المرضع في ذلك الوقت عند من يشترط للرضاع المحرم وقتا خاصا والرابعة : هل يعتبر فيه وصوله برضاع والتقام الثدي او لايعتبر.
(الـمـسـالـة الاولى ): اما ما مقدار المحرم من اللبن , فان قوما قالوا فيه بعدم التحديد وقالت طائفة : بتحديد القدر المحرم , وهؤلاء انقسموا ثلاث فرق فقالت طائفة : لاتحرم المصة ولا المصتان وقالت طـائفـة : الـمـحـرم خـمـس رضعات , وبه قال الشافعي , وقالت طائفة : عشر رضعات والسبب في اختلافهم في هذه المسالة معارضة عموم الكتاب للاحاديث الواردة في التحديد ومعارضة الاحاديث في ذلك بعضها بعضا.
احدهما حديث عائشة وما في معناه انه قال عليه الصلاة والسلام : (لاتحرم المصة ولا المصتان او الـرضعة والرضعتان ) خرجه مسلم من طريق عائشة ومن طريق ام الفضل ومن طريق ثالث , وفيه قال : قال رسول اللّه (ص ): (لا تحرم الاملاجة ولا الاملاجتان ) وحديث سهلة في سالم انه قال لها النبي (ص ):.
(ارضـعـيه خمس رضعات ), وحديث عائشة في هذا المعني ايضا, قالت : (كان فيما نزل من القرآن عـشـر رضـعـات معلومات ثم نسخن بخمس معلومات , فتوفي رسول اللّه (ص ) وهن مما يقرا من القرآن ) .
هـكـذا اشـغل هذا الحديث اذهان علماء مدرسة الخلفاء اكثر من الف سنة بدءا بمولفي كتب الصحاح والسنن وفقهاء المذاهب وعلماء علوم القرآن , ولم يفكر احدهم كيف انحصرت رواية نزول آية من الـقـرآن بـام المؤمنين عائشة وحدها وكيف لم يحفظ اللّه هذا القرآن من (داجن فاكله ) وزال من العالم ؟ وان امـثال هذا الحديث من ام المؤمين عائشة وآخرين من الصحابة دعانا للقيام بامثال هذه الدراسات في سبيل تمحيص سنة الرسول (ص ).

نوادر وطرائف :.

لم تكن ام المؤمنين بالمتقشفة في حياتها بل كانت تحب الظرافة , والظرفاء, ومما رووا عنها في ذلك ما ذكره ابن عبد ربه قال :.
كـان فـي المدينة في الصدر الاول مغن يقال له : قند, وهو مولى سعد بن ابي وقاص , وكانت عائشة تستظرفه , فضربه سعد, فحلفت عائشة لا تكلمه حتى يرضى عنه قند فدخل عليه سعد, وهو وجع من ضربه , فاسترضاه فرضي عنه , وكلمته عائشة .
ومن ظرفها ما رواه ابن عبد ربه في العقد الفريد وقال :.
دخل الحسن بن علي على معاوية , وعنده ابن الزبير, وابو سعيد بن عقيل ابن ابي طالب , فلما جلس الحسن , قال معاوية : يا ابا محمد مـن الـزبـيـر, فقال ابن الزبير: ورحم اللّه الزبير, فتبسم الحسن , فقال ابو سعيد بن عقيل بن ابي طالب : دع عنك عليا والزبير ان عليا دعا الى امر فاتبع , وكان فيه راسا, ودعا الزبير الى امر كان فيه الراس امراة , فلما ترات الفئتان , والتقى الجمعان نكص الزبير على عقبيه , وادبر منهزما قبل ان يـظهر الحق فياخذه , او يدحض الباطل فيتركه , فادركه رجل لو قيس ببعض اعضائه لكان اصغر مـن شـبـره , فضرب عنقه , واخذ سلبه , وجاء براسه , ومضى علي قدما كعادته مع ابن عمه ونبيه (ص ), فـرحـم اللّه عـليا ولا رحم الزبير, فقال ابن الزبير: اما واللّه لو ان غيرك تكلم بهذا يا ابا سـعيد فـنـادته يا احول الشيطان ليراك من حيث لا تراه , فضحكت عائشة , وقالت : للّه ابوك في هذه القصة اراد معاوية ان يغري بين الحسن وابن الزبير, كما كان يفعل ابدا مع سروات قريش مـن اغـراء بعضهم على بعض , واصاب كيده هنا مقتل ابن الزبير, وسلم منه الحسن لادراكه مرمى مـعـاويـة مـن وراء سـؤالـه , اما ام المؤمنين , فكانت كعادتها ابدا متحفزة للدفاع عن ذوي قرباها, ومهاجمة مناوئيهم .
ومـن نـوادر حـديثها ايضا ما في مسند احمد قال : جاء عمار ومعه الاشتر يستاذن على عائشة , قال : يا امة قـالـت : انت الذي اردت قتل ابن اختي ؟ قال : قد اردت قتله , واراد قتلي , قالت اما لو قتلته ما افلحت ابـدا زنى بعدما احصن , او رجل ارتد بعد اسلامه انتهى .
رضـي اللّه عـنك يا ام المؤمنين الامر منحصرا بابن اختك ؟ فما بال سائر المسلمين الذين قتلوا في تلك المعركة الرهيبة ؟.
ومـنـهـا ما رواه ابن عبد ربه  قال : دخلت ام اوفى العبدية على عائشة بعد وقعة الجمل , فـقـالت لها: يا ام المؤمنين تقولين في امراة قتلت من اولادها الاكابر عشرين الفا في صعيد واحد؟ قالت : خذوا بيد عدوة اللّه انتهى .
كانت هذه المراة قاسية مع ام المؤمنين فانها وان كانت من عبد القيس وقد قتل من رجالها امثال حكيم بن جبلة المئات مع علي غير انه لم يكن لها ان تجابه ام المؤمنين بهذه القسوة بعد تلك المدة .
كـان وقـع حـرب الجمل على نفس ام المؤمنين شديدا, ولم يذهب اثرها على نفسها مر الايام , وقد رايـنـا فـيما مر بعض كلامها الذي تصرح فيه بندمها على المشاركة في تلك الحرب ولعل الحديث الاتي منها ايضا من آثار ندمها ذلك .
في العقد الفريد, قالت عائشة : المغزل بيد المراة احسن من الرمح بيد المجاهد.
في سبيل اللّه  .
وعـلـى قـدر مـا كـان ذكـر تلك الحرب سيئا على نفس ام المؤمنين كان ذلك مبهجا لحزب معاوية يشيدون بذكرها في كل حين .
قـال ابـن عـبـد ربه : قدم يزيد بن منية من البصرة على معاوية , وهو اخو يعلى بن منية صاحب جمل عائشة (رض ) ومتولي تلك الحروب , وراس اهل البصرة , وكانت ابنة يعلى عند عتبة بن ابي سفيان , فلما دخل على معاوية شكا دينه , فقال : يا كعب الجمل ثلاثين الفا اخرى ) الحديث .
وقال عمرو بن العاص لعائشة : (لوددت انك كنت قتلت يوم الجمل ).
فـقـالـت : (ولـم لا ابـا لـك علي ) .
ومن حديث ام المؤمنين مع عمرو ايضا ما رواه مسروق وقال : ذكر عندها ـ اي عائشة ـ ان عـليا (رض ) قتل ذا الثدية , فقالت لي : اذا انت قدمت الكوفة , فاكتب لي ناسا ممن شهد ذلك ممن تـعـرف من اهل البلد, فلما قدمت وجدت الناس اشياعا, فكتبت لها من كل شيع عشرة ممن شهد ذلك , قال :.
فاتيتها بشهادتهم , فقالت : لعن اللّه عمرو بن العاص , فانه زعم لي انه قتله بمصر.
وفـي تاريخ ابن كثير بعد هذا: ثم ارخت عينيها فبكت , فلما سكنت عبرتها, قالت : رحم اللّه عليا لقد كان على الحق وما كان بيني وبينه الا كما يكون بين المراة واحمائها.
وكـان الـسبب في ادعاء عمرو انه هو الذي قتل ذا الثدية ما كانوا يروونه عن النبي في ذمه ومدح قاتله  , فاراد عمرو بما ادعاه ان يصدق عليه مدح الرسول .
بـهـذا نـخـتم البحث عن حياة ام المؤمنين , ونعود الى ترجمة معاوية , لنستخلص منها ما يعيننا على دراسة دواعي وضع الحديث في عصره .
نتاج البحث :.
نـفـسـت امـيـة على هاشم زعامة قريش في الجاهلية , حتى اذا جاءهم حفيد عبدالمطلب بن هاشم بـالاسـلام , كان من الطبيعي ان يتزعم ابو سفيان بن حرب بن امية كفار قريش في حروبها لرسول اللّه , ويكون الد اعدائه عليه , ويضطهد المستضعفين من الذين آمنوا, حتى اذا شاء اللّه ان يمن على نبيه بالنصر وفتح مكة , وصم قريشا بالطلقاء فبقيت عليهم سبة ابد الدهر.
وكسر سيادة ابي سفيان مع كسره اصنام قريش , ثم امتد العمر بابي سفيان حتى اغلظ له ابو بكر في الـقـول , فادهش ذلك اباه ابا قحافة , فقال له ابنه : يا ابه وعـاش حـتـى حـمل عمر على ظهره الحجارة في مكة , وضربه بالدرة بين عينيه , فقالت هند في مرارة : ابصر به رفع بالاسلام اقواما ووضع آخرين .
اصبح المستضعفون في الجاهلية ائمة في الاسلام , واصبحوا الوارثين , ومر عليهم ابو سفيان فقالوا ـ آسـفين ـ: ما اخذت سيوف اللّه من عنق عدو اللّه ماخذها, ثم يدور الزمن دورته , واذا بامية في عصر عثمان تتلاقف الامارة تلاقف الصبية الكرة , ففي كل بلد منهم امير مدل بسلطانه , واذا بالائمة الوارثين بالامس يعودون مستضعفين في الارض , معذبين , تنفيهم السلطة من بلد الى بلد, واذا بقريش تـعود الى خيلائها فيقول قائلهم : (ان السواد بستان لقريش ثـورة جـامحة تطيح بالخليفة الاموي قتيلا في داره , ثم يعود الامر بقوة المهاجرين والانصار الى هـاشـم رغم انف امية التي اصبحت ذليلة في المدينة , ورغم تابعيها من سروات قريش , فيثيرونها حـربـا شـعواء على علي بالبصرة , فتمنى بالفشل كل ذلك يجري ومعاوية امير على الشام منذ عهد الـخـليفتين يستغل الفرص لتثبيت ملكه , فساوم عليا على امارة مصر والشام , ولما لم يجبه علي الى ذلـك , قـاتـله في صفين باسم الطلب بدم عثمان , وبعد التحكيم رجع الى الشام واخذ يرسل جيوشه لـيـغـيروا على البلاد الاسلامية , يقتلون الصغير والكبير, ويسبون النساء المسلمات , ويحرقون ويهدمون , وكان حصاد احدى تلك الغارات ثلاثين الف قتيل من المسلمين , وبعد علي لم يبايع الحسن مـع المسلمين , وتقدم بجيشه الى العراق , واغرى بالحسن قواده ليغتالوه , فصالحه ـ بعد ان جرح ـ بـشـروط لـم يـف مـعاوية بواحدة منها, وانما قال بعد دخوله الكوفة : واللّه ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا, وانكم لتفعلون ذلك , وانما قاتلتكم لاتامر عليكم , وكل شرط اعطيته الحسن فتحت قدمي هاتين .
وفـي هذا الدور اضطر في سياسته الى المداراة , فاعطى الجزية لملك الروم , واغدق العطاء على الـرؤسـاء, وجلب دهاة الرجال بالامرة , والمال , والاستلحاق بالنسب , حتى اذا اتسق له الملك , جدد سنن كسرى وقيصر, فاستصفى الصفراء والبيضاء, واتخذ الصوافي في البلاد, وامر ان تحمل اليه هدايا النيروز والمهرجان وجعل البيعة والخلافة وراثية .

الشيخ احمد