تعليقات على القرآن

سِلْسِلَةُ هِدَايَةِ المؤمنين للحق المبين

 

 

القسم الأول: مقدمة لدراسة القرآن
القسم الثاني: تعليقات على بعض آيات القرآن
القسم الثالث: سجل بالآيات القرآنية التي جاءت التعليقات عليها

القسم الأول

مقدمة لدراسة القرآن
ما هو الوحي الصادق؟
شهادة القرآن لصحة الكتاب المقدس
هل في القرآن إعجاز؟
اختلاف قراءات القرآن
كيف جُمع القرآن؟
الناسخ والمنسوخ
القرآن على سبعة أحرف
ملاحظات عن الوحي في القرآن والحديث
أخطاءٌ في القرآن
الكتاب المقدس هو المصدر الأصلي
ما هو الوحي الصادق؟

قال المعترض الغير مؤمن: لا مجال لأهل الكتاب أن يدَّعوا أن كل كتب العهد القديم والجديد كُتبت بالإلهام، وأن كل حال من الأحوال المندرجة فيه إلهاميّ .

وللرد نقول:

(1) كُتب العهدان القديم والجديد بإلهام الروح القدس. كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحىً بِهِ مِنَ الله، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأْدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ (2تيموثاوس 3: 16). لأَنَّهُ لَمْ تَأْتِ نُبُّوَةٌ قَطُّ بِمَشِيئَةِ إِنْسَانٍ، بَلْ تَكَلَّمَ أُنَاسُ اللهِ الْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ (2بطرس 1: 21). فترى من هذه الشهادة الصادقة أن كل كُتب العهدين القديم والجديد كُتبت بإلهام الروح القدس، لأن هذه الكتب تورد نبوّاتٍ إلهية تمّ أغلبها فعلاً. وشهادات المؤرخين المنزَّهين عن الأغراض، سواء كانوا من الوثنيين أو غيرهم، تدل على أن أغلبها تمّ حقيقةً، والبعض الآخر سيتم بمجيء المسيح ثانيةً. وهذا من أقوى الأدلة على أنها وحيٌ إلهيّ.

(2) تأيدت بالمعجزات الباهرة. وهذا يبرهن أن مصدرها هو الذي بيده الحركة والسكون، فموسى شقّ البحر الأحمر وجعل العصا حيّة، وجعل يده بيضاء، وضرب المصريين بعشر ضربات. والمسيح شفى المرضى وأقام الموتى، وكذلك فعل رسُله. فلا نتصور أن تكون بلاغات هؤلاء الأنبياء والمرسَلين غير مُوحَى بها.

(3) أوحى الله بها لأنبياء بَرَرة صالحين.

(4) لم يتمسّك بها أحد إلا وكانت سبباً في سعادته ورفاهيته في هذه الدنيا، فهذَّبت الأغبياء، وبدَّدت غياهب الجهالة والضلالة، وأوردت المتوحِّشين موارد التمدُّن.

(5) لا تشتمل على شيء منافٍ للعقل والذوق.

(6) تشتمل على حقائق مهمة لا يمكن التوصُّل إليها بمجرد نور الطبيعة أو العقل البشري مهما أوتي من الذكاء.

(7) طهارة تعاليمها وقداسة وصاياها.

(8) موافقتها لبعضها بعضاً.

(9) ملائمتها لحالتنا.

(10) توضيحها طريق الخلاص، وقوتها على إيقاظ الضمير وتنبيهه ليطلب التوبة والغفران. ولا عجب في هذا، فإن الله أنار عقول الأنبياء الصادقين بروحه القدوس فيما قالوه أو كتبوه، وعصمهم عن الزلل والنسيان في البلاغات الإلهية، فكان هو المتكلم على ألسنتهم، وأيَّدهم بالمعجزات الباهرة.

وعل هذا القياس يكون القرآن غير موحى به من الله فإنه:

(1) لم يتأيّد بمعجزةٍ ولا آية.(وسنناقش في كتابنا نوعية معجزات محمد).

(2) لم تكن حالة صاحبه لائقة ليتّخذه الله آلةً في البلاغات الإلهية.

(3) تنافي طرق وحيه طرق وحي الأنبياء الصادقين.

حالة وحي محمد:

ورد في الأحاديث الصحيحة أنه كان إذا نزل عليه الوحي يُغشى عليه، وفي رواية يصير كهيئة السكران (السيرة النبوية لابن كثير ج1 فصل كيفية إتيان الوحي). يعني يقرب من حال المغشي عليه، لتغيّره عن حالته المعهودة تغيُّراً شديداً، حتى تصير صورته صورة السكران.

وقال علماء المسلمين إنه كان يُؤخذ من الدنيا (القرآن المجيد لدَرْوزة). وعن أبي هريرة: كان محمد إذا نزل عليه الوحي استقبلته الرعدة وفي رواية كرُب لذلك وتزبَّد له وجهه وغمّض عينيه، وربما غطَّ كغطيط البَكَر (صحيح البخاري باب كيفية نزول الوحي). وعن عمر بن الخطاب: كان إذا نزل عليه الوحي يُسمع عند وجهه دوي كدوي النحل. (عن القرآن لمحمد صبيح) وسُئل محمد: كيف يأتيك الوحي؟ (قال علماء المسلمين المراد بالوحي هنا حامل الوحي جبريل) فقال: "أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشدّه عليَّ، فيُفصم (أي يقلع) عني وقد وعيت ما قال" (صحيح البخاري باب كيفية نزول الوحي). وأجمع علماؤهم ومحدثوهم على أن محمداً كان يجد ثقلاً عند نزول الوحي، ويتحدَّر جبينه عرقاً في البرد كأنه الجُمان، وربما غطّ كغطيط البَكَر (أي: كهدير الإبل) ، محمرَّة عيناه . وعن زيد بن ثابت: كان إذا نزل الوحي على محمد ثقل لذلك. ومرة وقع فخذه على فخذي، فوالله ما وجدت شيئاً أثقل من فخذ محمد (صحيح البخاري كتاب التفسير باب سورة النساء). وربما أُوحي إليه وهو على راحلته فترعد حتى يظن أن ذراعها ينقسم وربما بَرَكت. وعن أسماء بنت عميس: كان محمد إذا نزل عليه الوحي يكاد يُغشى عليه وعن أبي هريرة: كان محمد إذا نزل عليه الوحي صدع فيغلف رأسه بالحناء (السيرة النبوية لابن كثير ج1 باب كيفية إتيان الوحي). وفي مسلم عن أبي هريرة: "كان محمد إذا نزل عليه الوحي لم يستطع أحد منا أن يرفع طرفه إليه حتى ينقضي الوحي"

المكان المفضَّل للوحي:
جاء في صحيح البخاري
(ج 3 كتاب الهبة وفضلها) : عن عائشة أن نساء رسول الله كنَّ حزبين، فحزب فيه عائشة وحفصة وصفية وسودة، والحزب الآخر فيه أم سلَمة وسائر نساء رسول الله. وكان المسلمون قد علموا حب رسول الله عائشة، فإذا كانت عند أحدهم هدية يريد أن يهديها إليه أخّرها، حتى إذا كان في بيت عائشة بعث إليه بها. فقال حزب أم سلَمة لها: كلّمي رسول الله أن يكلم الناس فيقول: من أراد أن يُهدي إلى رسول الله هدية، فليُهدها إليه حيث كان من نسائه. فكلَّمته أم سلَمة بما قلن لها، فلم يقل لها شيئاً. فسألنها، فقالت: ما قال لي شيئاً. فقلن لها: فكلميه. فكلَّمته حين دار إليها، فلم يقل لها شيئاً، فسألنها؟ فقالت: ما قال لي شيئاً. فقلن لها: كلميه حتى يكلمك. فدار إليها فكلمته فقال لها: "لا تؤذيني في عائشة، فإن الوحي لم يأتني، وأنا في ثوب إمرأة إلا عائشة. قالت: فقلتُ: أتوب إلى الله من أذاك يا رسول الله" (ورد الحديث أيضاً في مشكاة المصابيح تحقيق الألباني حديث رقم 6180).

فهذا غير حال أنبياء التوراة الكرام، الذين تكلموا بالحِكَم الإلهية، وأعلنوا الحق أمام الملوك والأمراء والعلماء والفهماء والفلاسفة، وهم بصحة عقلٍ وجسمٍ وفهم. ولم يرِدْ أن نبياً منهم كان عند نزول الوحي يُغشى عليه، أو يصير كالسكران، أو تحمرّ عيناه، أو تجزع الناس من منظره، أو يغط كغطيط البَكَر.

وقد كان حال محمد قبل الوحي كذلك. روى ابن اسحق أنه كان يُرقَى من العين وهو بمكة قبل أن ينزل عليه القرآن، فلما نزل عليه القرآن أصابه نحو ما كان يصيبه قبل ذلك. فكان يصيبه قبل نزول القرآن ما يشبه الإغماء بعد حلول الرعدة به وتغميض عينيه وتزبُّد وجهه، أي تغيُّره، وغطيطه كغطيط البَكَر. فقالت له خديجة: "أوجّه إليك من يرقيك" قال: "أما الآن فلا" وقرر علماء المسلمين أن آمنة أم محمد رقَتْهُ من العَيْن. وقيل لما كانت حاملاً به جاءها الملَك وقال لها قولي إذا ولدتيه: أعيذه بالواحد، من شر كل حاسد (سيرة ابن هشام). وقال مفسّرو المسلمين إنه كان لمحمد عدوّ من شياطين الجن يقال له الأبيض، كان يأتيه في صورة جبريل. واعترض بعضهم بأن هذا يعني عدم الوثوق بالوحي (وهو اعتراض في محله). ولكنهم أجابوا عن ذلك بأن الله جعل في محمد عِلماً ضرورياً يميّز به بين جبريل وبين هذا الشيطان. قالوا: ولعل هذا الشيطان غَيْر قرينه الذي أسلم . وفي كلام ابن العماد: وشيطان الأنبياء يُسمَّى الأبيض. قالوا: وهذا الشيطان هو الذي أغوى صيصا الراهب العابد بعد عبادته 500 سنة، وقيل 70 سنة. وهو المعنيُّ بقوله في القرآن: "كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ للإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ" (سورة الحشر 59: 16). وقال الخازن: إن الشيطان المُسمَّى الأبيض تصدّى لمحمد وجاءه في صورة جبريل ليوسوس إليه على وجه الوحي، فلحقه جبريل فدفعه إلى أقصى الهند (الرازي في تفسيره للحج 22: 52 ، وتفسيره للتكوير 81: 20).

ولنا التعليق التالي:

() أحوال الأنبياء الصادقين منافية لهذا، فإنهم تربّوا في مهد التقوى وعبادة الله الصحيحة. لما وُلد صموئيل النبي كرَّستْهُ أمه لخدمة هيكل الله. فتربَّى عند عالي الكاهن، وتعلم الشريعة، وأوحى الله إليه إرادته الصالحة، فتنبأ عن الشر الذي يحل بالفجار. فلا رقَتْه أمه من الحاسد أو العين، لأنها كانت من شعب الله، وتعرف أن الحركة والسكون والمرض والموت هي بيد الله فقط. وهذا بخلاف الأمهات اللواتي يعتقدن بالعين وغيرها من الخرافات.

(2) لم يرد في كتاب الله أن نبياً كان له قرينٌ من الجنّ أو شيطان من الشياطين، فإن الشيطان لا يكون قريناً إلا لمن خلا من النعمة الإلهية! أما الذي فيه نعمة الله فيسكن فيه الروح القدس، فالإنجيل يقول لكل مؤمن: "جَسَدَكُمْ هُوَ هَيْكَلٌ لِلرُّوحِ الْقُدُسِ الَّذِي فِيكُمُ" (1كورنثوس 6: 19) فما بالك بأنبيائه؟ وهل يُعقل أن الله يأتمن من له قرين من الجن أو شيطان من الشياطين على كلمته الإلهية وإعلان إرادته للناس؟

(3) من تأمل التوراة والإنجيل رأى أن أنبياء الله منزَّهون عن الاعتقادات والخرافات الفاسدة، مؤيَّدون بالروح القدس، الذي كان يرشدهم إلى ما يقولون ويفعلون. لقد تهذَّب موسى النبي في أعظم مدارس مصر، التي انفردت بالعلوم في ذلك العصر. وكان بولس الرسول تلميذاً لأشهر أساتذة عصره. وبصرف النظر عن ذلك فكان الروح القدس هو الهادي لهم، فلا ينطقون إلا بإرادة الله، ولم تكن للشياطين والأبالسة سلطة عليهم في شيء، بل كان الأبالسة يجزعون منهم لأن قوة الله كانت فيهم.

 

عدم تأكد محمد من وحيه

ومن نظر في الأحاديث المحمدية، رأى أن محمداً كان غير متأكد من وحيه. ورد عن اسماعيل بن أبي حكيم مولى الزبير، أنه حدّث عن خديجة، إنها قالت لمحمد: أتستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك؟ قال: نعم. فجاءه جبريل، فقال لها محمد: يا خديجة هذا جبريل قد جاءني . قالت: قم يا ابن عم فاجلس على فخذي . فقام فجلس على فخذها. فقالت: هل تراه؟ قال: نعم. قالت: فتحوَّل فاجلس في حجري. فتحوّل محمد فجلس في حجرها. قالت: هل تراه؟ قال: نعم. فألقت خِمارها، ومحمد جالس في حجرها، ثم قالت: هل تراه؟ قال: لا. قالت: يا ابن عم اثبُت وابشِر، فوالله إنه لملاك وما هذا بشيطان (السيرة النبوية ابن كثير باب كيفية إتيان الوحي).

قال علماؤهم إن خديجة أزالت غطاء رأسها لتعلم هل هذا جبريل الذي كان يأتي الأنبياء قبله، أو هل هو الإغماء الناشيء عن لِمَّة الجن، فيكون محمد من الكهّان لا من الأنبياء. وقال محمد بسببه لخديجة: "لقد خشيتُ على نفسي" وقد أجمع علماؤهم على أنه كان يعتريه الإغماء وهو بمكة قبل أن ينزل عليه القرآن، كما كان يعتريه عند نزول الوحي عليه. فبسبب إزالتها غطاء رأسها عنها اختفى، فلم يعُدْ إلى أن أعادت غطاء رأسها عليه. فاستنتجت أن ما يعرض له هو الوحي، لأنّ الملاك لا يرى رأس المرأة المكشوف، بخلاف الجن! وهو استنتاج غريب. فهل ترَّبتْ خديجة بين الأنبياء، أو هل كان في عشيرتها نبيٌّ، تعتريه مثل هذه الحالة، فتقيس عليها حالة محمد؟

شروع محمد في الانتحار

ومن الغرائب أن محمداً كاد ينتحر بأن يلقي بنفسه من أعلى الجبال. وفي رواية أنه "لما فتر الوحي عنه حزن حزناً شديداً حتى كان يغدو إلى جبل ثبير مرة، وإلى حراء مرة أخرى، يريد أن يلقي نفسه منه. فكلما وافى ذروة جبل منهما كي يلقي نفسه تبدّى له جبريل، فقال له: يا محمد أنت رسول الله حقاً. فيسكن لذلك جأشه وتقرّ عينه ويرجع" فإذا طالت عليه فترة انقطاع الوحي عاد لمثل ذلك (السيرة الحلبية باب بدء الوحي والقرآن المجيد لدَرْوَزة). واختلفوا في مدة هذه الفترة. وفي فتح الباري جزم ابن اسحق بأنها ثلاث سنين، وقال أبو القاسم السهيلي: جاء في بعض الأحاديث المسنَدة أن مدة هذه الفترة كانت سنتين ونصف سنة . وقال الحافظ السيوطي: "إنها كانت سنتين" .

والظاهر أنه لما كان ينقطع المصدر الذي كان يقتطف منه بعض القصص التاريخية والروايات الكتابية والأحكام الشرعية كان يدَّعي بأن الملاك انقطع عنه، فإن محمداً كان يلتقط من أهل الكتاب كثيراً من أقوالهم. وكثيراً ما أفحمه أهل الكتاب من اليهود أو المسيحيين، فكان تارة يعجز عن مجاوبتهم، وأخرى يطلب منهم الإمهال إلى أن يتروّى ويتحرّى ويستفهم.

والحاصل أن كيفية الوحي لمحمد كانت منافية لكيفية الوحي الحقيقي

(1) كان إذا أتاه الوحي استلقى على ظهره.

(2) كان يتوهم أن جبريل يأتيه في صورة دحية بن خليفة الكلبي، وكان جميلاً وسيماً، إذا قَدِم لتجارةٍ خرجت النساء لتراه.

(3) كان يأتيه مخاطباً له بصوت في مثل صلصلة الجرس. وقيل في الصلصلة المذكورة إنها صوت المَلَك بالوحي وقيل صوت المَلَك .

(4) ادّعوا أنه كان يرى جبريل في صورته التي خلقه الله عليها، له ستمائة جناح، كل جناح منها يسدّ أفق السماء.

(5) كاد أن يتردّى (أي يلقي بنفسه في مهواة).

(6) كثيراً ما أفحمه أعداؤه فلم يجبهم بما يشفي غليلاً. وكثيراً ما أخذ مهلة للتروّي في كيفية الجواب وللاستفهام من أهل الكتاب. (راجع كيفية نزول الوحي في البخاري، ومسلم، والسيرة الحلبية، والبداية والنهاية، والإتقان في علوم القرآن ).

 

الوحي الصادق

أما وحي أنبياء الله الصادقين فهو غير ذلك، فكانوا أصحّاء في أجسادهم وعقولهم، لم يعجزوا عن توضيح الحقائق الإلهية لأن معلّمهم ومرشدهم هو الروح القدس. قال المسيح لرسله: "فَمَتَى أَسْلَمُوكُمْ فَلَا تَهْتَمُّوا كَيْفَ أَوْ بِمَا تَتَكَلَّمُونَ، لِأَنَّكُمْ تُعْطَوْنَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ مَا تَتَكَلَّمُونَ بِهِ، لِأَنْ لَسْتُمْ أَنْتُمُ الْمُتَكَلِّمِينَ بَلْ رُوحُ أَبِيكُمُ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيكُمْ" (متى 10: 19،20) "فَمَتَى سَاقُوكُمْ لِيُسَلِّمُوكُمْ، فَلَا تَعْتَنُوا مِنْ قَبْلُ بِمَا تَتَكَلَّمُونَ وَلاَ تَهْتَمُّوا، بَلْ مَهْمَا أُعْطِيتُمْ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَبِذلِكَ تَكَلَّمُوا، لأَنْ لَسْتُمْ أَنْتُمُ الْمُتَكَلِّمِينَ بَلِ الرُّوحُ الْقُدُسُ" (مرقس 13: 11) "لأَنِّي أَنَا أُعْطِيكُمْ فَماً وَحِكْمَةً لا يَقْدِرُ جَمِيعُ مُعَانِدِيكُمْ أَنْ يُقَاوِمُوهَا أَوْ يُنَاقِضُوهَا" (لوقا 21: 15). فهذا هو معنى الوحي الإلهي، وهو أن الله يرشد الرسل والأنبياء إلى ما يقولونه، وقد تمّ هذا القول مع الرسل، فوقفوا أمام الولاة والملوك وأذهلوهم بحكمتهم الإلهية الفائقة.

شهادة القرآن لصحة الكتاب المقدس

ورد في الشورى 42: 15 “وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمْ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا"

وورد في غافر 40 : 53 - 55 “وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ هُدىً وَذِكْرَى لأُولِي الْأَلْبَابِ فَا صْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ"

وورد في الفرقان 25: 35 “وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيراً"

وورد في الزخرف 43 : 45 “وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَانِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ"

وورد في يوسف 12: 111 “وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ"

وورد في هود 11 : 17 “وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ"

وفي يونس 10 : 37 “وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ" وفي آية 94: “فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَأُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ"

وفي الأنعام 6: 89 ، 90 “أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُّوَةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ" (أي قريش) فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِه"

وفي عدد 91 “قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً"

وفي عدد 92 قال إن القرآن “مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ"

وفي عدد 114 “وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَّزَلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ"

وفي عدد 124 “قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ"

وفي عدد 154 “ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَاماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُون"

وفي عدد 156 “أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا" (أي اليهود والنصارى)

وفي القصص 28 : 43 “وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ"

وفي عدد 48 “قَالُوا لَوْلاَ أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى

وفي عدد 52 “الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ"

وفي المؤمنين 23 : 49،50 “وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يهَتْدَوُنَ وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً ;

وفي الأنبياء 21: 7 “وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ;

وفي عدد 48 “وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْراللْمُتَّقِينَ ;

وفي عدد 105 “وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَبُورِمِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ; (المراد بالذكر التوراة، وقيل المراد بالزبور جنس الكتب المنزَّلة)

وفي الإسراء 17: 2 “وَآتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلاً؛

وفي عدد 101 “وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ

وفي العنكبوت 29: 46 “وَلاَ تَجَادِلُوا أَهْلَ الكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ;

وفي الأعراف 7: 159 “وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ .

هذا جزء من الأقوال الواردة في السور المكية بحسب الترتيب التاريخي، وشهاداتها صريحة للكتاب المقدس.

أما العبارات الواردة في السور المدنية فهاك بعضها:

ورد في البقرة 2: 4 ، 5 “الذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلكَِ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَّبِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ

وفي أعداد 40 - 42 “يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ التِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَّوَلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ وَلَا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ;

وفي عدد 53 “وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ وَالفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ “وسيأتي الكلام على عدد 70 - 79.

وفي عدد 87 “وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القُدُسِ

وفي عدد 91 “وَهُوَ الحَقُّ مُصَدِّقا لمَا مَعَهُمْ

وفي عدد 92 “وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالبَيِّنَاتِ

وفي عدد 136 “قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ

وفي عدد 253 “تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القُدُسِ ;

وفي عدد 285 “آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ;.

وورد في الحديد 57: 19 “وَالذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ

وورد في عددي 26 ، 27 “وَلَقَدْ أَرْسَلَنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ

وورد في النساء 4: 47 “يَا أَيُّهَا الذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَّزَلْنَا مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ “وورد في عدد 54 “فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً

وفي عدد 136 “يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالكِتَابِ الذِي نَّزَلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالكِتَابِ الذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيداً

وفي أعداد 150 - 153 “إِنَّ الذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً أُولَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً وَالذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيِهمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً يَسْأَلُكَ أَهْلُ الكِتَابِ أَنْ تُنَّزِلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ ;

وفي النساء 4: 163 ، 164 “إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعَقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً

وقد أكثرنا من إيراد هذه الشهادات القرآنية لنوضّح:

(1) كانت التوراة والإنجيل والزبور متداولة ومتواترة بين أيدي الناس في عصر محمد. وهل يُعقل أن محمداً كان يحضّ الناس على وجوب التمسّك بها وهي مفقودة، أو هل كان يستشهد بها ويمدحها وهي مبدَّلة؟ ألم يقل في المائدة 5: 68 إن أهل الكتاب ليسوا على شيء ما لم يقيموا التوراة والإنجيل؟ وفي عدد 43 كيف يحكِّمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله . وإن الله أنزل التوراة والإنجيل فيهما هدىً ونور، ومن لا يحكم بهما، فهم الكافرون والظالمون والفاسقون.

(2) أورد محمد منها بعض الأحكام واستشهد بها كثيراً في أقواله.

(3) أوضح محمد البركات التي تحصل لمن يقيم حدودهما من غفران السيئات وحلول البركات (المائدة 5: 66).

(4) اعترف محمد بأن من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون، ثم مدحهم (آل عمران 3: 113 ، 114).

(5) جاء القرآن من أوله إلى آخره مصدِّقاً للكتب المقدسة. فهل يصدِّق على شيء لا وجود له أو مُلفَّق؟

(6) يقولون إن الله أمر محمداً أن يستفهم من أهل الكتاب عن القضايا التي ارتاب فيها (يونس 10: 94).

(7) ذكر محمد التوراة والإنجيل بكل تعظيم، فقال إن التوراة إمام ورحمة (هود 11: 17) والإنجيل “الكِتَابَ المُسْتَبِينَ وَالكِتَابِ المُنِيرِ ; (الصافات 37: 117 وآل عمران 3: 184) وقال إن الكتاب المقدس “هُدىً وَذِكْرَى لِأُولِي الأَلْبَابِ ; (غافر 40: 54) و “نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ ; (الأنعام 6: 91) وإنه “نزل تماماً عَلَى الذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ ; (الأنعام 6: 154) و “بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً ; (القصص 28: 43) وقال عنه إنه “الفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ ; (الأنبياء 21: 48) و “وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ; (المائدة 5: 46) وغير ذلك.

فهل يصف التوراة والإنجيل بمثل هذا الكلام إذا كان يعتقد ضياعهما أو تحريفهما أو تغييرهما وتبديلهما؟

فإذا اعترض أحد بأن القرآن قال إن أهل الكتاب حرَّفوا كتبهم، قلنا إن اليهود قاوموا محمداً أشد المقاومة، وكثيراً ما كانوا يمتحنونه بأسئلة كثيرة عجز عن الإجابة عنها. وإذا استفهم منهم عن شيء من كتابهم ضنّوا عليه به، أو كتموا المعاني، أو فسّروا الأقوال حسب أهوائهم، فتضايق منهم محمد. ولما قوي وزاد حزبه توهَّم ورود شيء عنه في الكتب الإلهية. ولا يتوهَّم المُطالع أن اليهود أتوا شيئاً خلاف العادة، فالعهد أن كل حزب يؤيد رأيه ومذهبه من الكتاب الواحد بدون أن يمسّ النص الأصلي بشيء.

وهذا مثل قول محمد في البقرة 2: 75 “وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ ; وورد في النساء 4: 46 “مِنَ الذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَوَاضِعِهِ ; وكذلك ورد في عدد 41 فقال المفسرون إن اليهود كانوا يحرّفون كلام الله، يؤوِّلونه ويفسرونه حسب أغراضهم. وقال البخاري في تفسير قوله: يحرّفون الكلم عن مواضعه يزيلون وليس أحدٌ يزيل لفظ كتابٍ من كتب الله، ولكنهم يحرّفونه أي يفسرونه على غير معانيه. وقيل في فتح الباري: سُئِل ابن تيمية عن هذه المسألة فأجاب في فتواه أن للعلماء في هذا قولين، أحدهما وقوع التبديل في الألفاظ، وثانيهما لا تبديل إلا في المعاني، واحتجّ للثاني . وقال الفخر الرازي (في تفسيره للنساء 4: 46) فإن قيل كيف يمكن التحريف في الكتاب الذي بلغت آحاد حروفه وكلماته مبلغ التواتر المشهور في الشرق والغرب؟ قلنا يُقال إنّ القوم كانوا قليلين، والعلماء بالكتاب غاية في القِلّة، فقدروا على هذا التحريف. والثاني المراد بالتحريف إلقاء الشبهة الباطلة والتأويلات الفاسدة وصرف اللفظ عن معناه الحق إلى معنى باطل بوجوه الحِيَل اللفظية، كما يفعله أهل البدعة في زماننا هذا بالآيات المخالفة لمذهبهم، وهذا هو الأصح. ومن الآراء في ذلك أنهم كانوا يدخلون على محمد ويسألونه عن أمرٍ فيخبرهم ليأخذوا به، فإذا خرجوا من عنده حرَّفوا كلامه .

وورد في البقرة 2: 174 “الذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتَابِ" قال المفسرون إن أئمة اليهود كانوا يأخذون من أتباعهم الهدايا، فلما جاء محمد خافوا انقطاعها فكتموا صفة محمد والبشارة به. قال الرازي: قال ابن عباس: إنهم كانوا يحرّفون التوراة والإنجيل. وعند المتكلمين هذا ممتنع لأنهما كانا كتابين بلغا في الشهرة والتواتر إلى حيث يتعذَّر ذلك فيهما. بل كانوا يكتمون التأويل لأنه قد كان فيهم من يعرف الآيات الدالة على نبوة محمد، وكانوا يذكرون لها تأويلات باطلة ويصرفونها عن محاملها الصحيحة (الرازي في تفسيره للنساء 4: 174).

وورد في آل عمران 3: 78 “وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الكِتَابِ “قال الواحدي: يحرّفون الكتاب عما هو عليه بألسنتهم معناه أن يعمدوا إلى اللفظة فيحرّفونها في حركات الإعراب تحريفاً يتغير به المعنى، وهذا كثير في لسان العرب فلا يبعد مثله في العبرانية . قال الرازي: كيف يمكن إدخال التحريف في التوراة مع شهرتها العظيمة بين الناس؟ الجواب: لعله صدر هذا العمل عن نفرٍ قليل. إلى أن قال: ولكن الأصوب هو أن الآيات الدالة على نبوة محمد كان يُحتاج فيها إلى تدقيق النظر وتأمل القلب، والقوم كانوا يوردون عليها الأسئلة المشوّشة والاعتراضات المظلمة، فكانت تصير تلك الدلائل مشتبهة على السامعين. واليهود كانوا يقولون مراد الله من هذه الآيات ما ذكرناه لا ما ذكرتم، فكان هذا المراد بالتحريف وبِلَيّ الألسنة، وهذا مثل ما أن المُحِق في زماننا إذا استدلّ بآية من كتاب الله، فالمبطِل يورد عليه الأسئلة والشبهات، ويقول: ليس مراد الله ما ذكرت. فكذا في هذه الصورة (الرازي في تفسيره لآل عمران 3: 78).

وقال في محل آخر: التحريف يحتمل التأويل الباطل، ويحتمل تغيير اللفظ. وقد بيّنا في ما تقدَّم أن الأول أوْلَى، لأن الكتاب المنقول بالتواتر لا يتأتَّى تغيير اللفظ، فكل عاقل يرى أن تغيير الكتاب المقدس كان متعذراً لأنه كان متداولاً بين أناس كثيرين مختلفي المِلل والنحل، فكان في أيدي اليهود الذين كانوا مشتَّتين في أنحاء الدنيا، بل كان منتشراً بين المسيحيين في أقاصي الأرض. فلو فُرض أن اليهود الذين كانوا في بلاد العرب غيّروا شيئاً من أقوال الله، لقاومهم باقي اليهود، بل كان المسيحيون يتصدّون لهم بالتشنيع والتقريع. ولكن لم يحصل شيء من هذا. ومع ذلك فلا ينكر أن اليهود كانوا يمتحنون محمداً ويخفون أحكام شريعتهم عليه ليروا إذا كان عارفاً أو جاهلاً بها، والدليل على ذلك ما رواه المفسرون، وهو أن شريفاً من يهود خيبر زنى بشريفة، وكانا محصَّنين، فكرهوا رجمهما، فأرسلوهما إلى محمد، ووضعوا له وسادة فجلس عليها، ثم قال: ائتوني بالتوراة فأُتي بها، فنزع الوسادة من تحته ووضع التوراة عليها وقال: آمنت بك وبمن أنزلك . ثم قال: ائتوني بأعلمكم فأُتي بشاب قال محمد له: أنشدك الله الذي لا إله إلا هو، الذي فلق البحر لموسى، ورفع فوقكم الطور، وأنجاكم وأغرق آل فرعون، والذي أنزل عليكم كتابه وحلاله وحرامه، هل تجدون فيه الرجم على من أحصن؟ قال: نعم . فأمر محمد بالزانيين فرُجما عند باب المسجد. وفي رواية أنهم لما حكّموا محمداً دعاهم بالتوراة، وجلس حَبْرٌ منهم يتلوها، وقد وضع يده على آية الرجم، فضرب عبد الله بن سلام يد الحَبْر، ثم قال: هذه يا نبي الله آية الرجم، يأبى أن يتلوها عليك. فقال لهم محمد: وَيْحكم يا معشر اليهود! ما دعاكم إلى تَرْك حكم الله وهو في أيديكم؟ وقال محمد: فأنا أول من أحيي أمر الله وكتابه وأعمل به، ثم أمر بهما فرُجما عند باب المسجد (ابن كثير في تفسيره للمائدة 5: 43 ، وسنن أبي داود حديث رقم 4449).

فمن هنا يُرى أن القارئ أخفى بيده شريعة الرَّجْم المدوَّنة في التوراة (لاويين 20: 2 10 وتثنية 22: 23 ، 24) ولكنه لم يقل إن تلك العبارة كانت مشطوبة أو محذوفة من التوراة، ونحن نعرف أنها باقية إلى يومنا هذا.

فينتج مما تقدَّم أنه: (1) لم يجسر أحد على تحريف الكتاب المقدس أو تغييره، بل حافظ عليه أهل الكتاب وكانوا يتباهون به، وإنما كانوا يُلبسون بعض الحقائق على محمد، أو يكتمونها، أو يفسرونها حسب أغراضهم في أثناء مجادلاتهم أو امتحانهم له، كما يُعلَم ذلك من أسباب النزول الذي ألَّفه الواحدي أو السيوطي. (2) لم يقُل محمد ولا غيره إن الكتاب المقدس ضاع أو فُقِد أو تغيَّر، والدليل على ذلك أن محمداً وضع التوراة على الوسادة، وقال لها: آمنت بك وبمن أنزلك . وهذا يعني وجود توراة شهد محمد بسلطانها وبصحّة ما جاء بها.

هل في القرآن إعجاز
كثيراً ما يتحدث المسلمون عن الإعجاز القرآني من عدة أوجه. ونناقش هنا هذه الادعاءات لنعرف وجوه الإعجاز القرآني. يقول الدكتور صبحي الصالح: القرآن هو الكلام المعجز المُنزَّل على النبي، المكتوب في المصاحف، المنقول عنه بالتواتر، المتعبَّد بتلاوته (مباحث في علوم القرآن ف1).

وقد حدد السيد محمد رشيد رضا وجوه الإعجاز بستة أوجه وهي:

1 إعجاز الأسلوب والنظم.

2 إعجازه البلاغي.

3 إعجازه بعلم الغيب.

4 إعجازه بسلامة الاختلاف.

5 إعجازه بالعلوم الدينية والتشريعية.

6 إعجاز القرآن بعجز الزمان على إبطال شيء منه.

(تفسير المنار على البقرة 2: 23 ، 24)

ولنناقش ما قاله السيد رشيد من أوجه إعجاز القرآن.

1 - إعجاز الأسلوب والنظم
من الواضح أن أساليب الفصحاء متفاوتة، لا يشبه أسلوبٌ منها الآخر، وأيضاً لا يستويان نظماً وبلاغةً، فمجرد اختلاف الأسلوب والنظم لا يصح أن يُعد معجزاً. ومن أشهر المواقف التي تدل على عدم بلوغ القرآن حدَّ الإعجاز ما حدث من عبد الله بن مسعود وأُبيّ بن كعب، وهما ممن أمر محمدٌ بأخذ القرآن عنهما، فعبد الله بن مسعود كان يحذف من مصحفه الفاتحة والمعوَّذتين، ويقول: لا تكتبوا في القرآن ما ليس منه. (الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ج 1 باب عدد سور القرآن وآياته وكلماته وحروفه).

ولقد أورد كثير من المحدثين والمفسرين أن في مصحف أُبيّ سورتان صغيرتان زائدتان عن سور المصحف، واحدة اسمها سورة الحفد وهذا نصها: اللهم إيَّاك نعبد. ولك نصلي ونسجد. وإليك نسعى ونحفد. نخشى عذابك. ونرجو رحمتك. إن عذابك بالكفَّار ملحق . والثانية اسمها سورة الخلع، وهذا نصها: اللهم إنَّا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك الخير ولا نكفرك. ونخلع ونكفر من يفجرك (القرآن المجيد لدروزه ص 56).

فلو كان أسلوب القرآن معجزاً ما اختلف عليه ابن مسعود وأُبيَّ. وقد أورد السيوطي في إتقانه: كان الناس يأتون زيداً بن ثابت، فكان لا يكتب آية إلا بشاهدي عدل. وإن آخر سورة براءة (التوبة) لم توجد إلا مع أبي خزيمة. فقال أبو بكر: اكتبوها فإن النبي جعل شهادته بشهادة رجلين. وإن عمراً أتى بآية الرجم فلم يكتبها، لأنه كان وحده (الاتقان للسيوطي ج 1 باب جمع القرآن وترتيبه). فلو كان القرآن معجزاً ما احتاج أحد في إثبات آيات القرآن إلى شهود.

وهناك بعض الكتب التي أوردت سوراً كاملةً لم تُكتب في المصحف، وأوردوا أيضاً أمثلة لما كان يُكتب قبل محمد، وهو لا يختلف كثيراً عن القرآن! ومن أمثلة الأول سورة النورَيْن وهذا نصها:

يا أيها الذين آمَنوا آمِنوا بالنورين.

أنزلهما يتلوان عليكم آياتي ويحذّرانكم عذاب يوم عظيم.

نوران بعضهما من بعضٍ وأنا السميع العليم.

إن الذين يوفون بعهد الله ورسوله في آيات لهم جنات النعيم.

والذين كفروا من بعد ما آمنوا بنَقْضهم ميثاقهم وما عاهدوا الرسول عليه يُقذَفون في الجحيم.

ظلموا أنفسهم وعصوا وليّ الرسول، أولئك يُسقَون من حميم.

إن الله الذي نور السموات والأرض بما شاء، واصطفى من الملائكة والرسل، وجعل من المؤمنين أولئك من خلقه، يفعل الله ما يشاء.

لا إله إلا هو الرحمن الرحيم.

قد مكر الذين من قبلهم برسلهم فأخذتهم بمكري، إن أخْذي شديدٌ أليم.

يا أيها الرسول بلِّغ إنذاري فسوف يعلمون.

مثل الذين يوفون بعهدك إني جزيتهم جنات النعيم.

وأن عليّاً لمن المتَّقين.

ولقد أرسلنا موسى وهارون بما استخلف فبغوا هارون فصبرٌ جميل.

فاصبر فسوف يبلون.

ولقد آتيناك الحكم كالذين من قبلك من المرسَلين، وجعلنا لك منهم وصياً لعلهم يرجعون.

إن عليّاً قانتاً بالليل ساجداً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه.

قل هل يستوي الذين ظلموا وهم بعذابي يعلمون

(القرآن المجيد دروزه ص 60). فلو كانت هذه السورة من القرآن فهذا يقدح في دعوى حفظ القرآن وتنزيله، وإن لم تكن فهذا قدحٌ في إعجاز القرآن.

ومن أمثلة ما كُتب قبل محمد ما قاله قس بن ساعدة، فكان يقول: أين من بغى وطغى. وجمع فأوعى، وقال: أنا ربكم الأعلى. ألم يكونوا أكثر منكم أموالاً وأطول منكم آجالاً. طحنهم الثرى بكلكلهِ ومزّقهم بتطاولهِ. فتلك عظامهم بالية. وبيوتهم خاوية. عمَّرتها الذئاب العاوية (البداية والنهاية ابن كثير ترجمة قس بن ساعدة).

ومما يورده لنا ابن كثير أن أبا بكر هو الذي قال هذا الكلام وهو يتحدث في حضور محمد مع وفد أياد عن قس بن ساعدة، وكان محمد مولعاً بالاستماع إلى سجع الكهّان في سوق عكاظ. وقد يكون قرآنه أكثر بلاغة، ولكن هذا لا يعني إعجازه.

ملاحظة: تُوفي قسّ بن ساعدة عام 600 م قبل محمد بسنوات عديدة.

2 - الإعجاز البلاغي في القرآن
يقول رشيد رضا صاحب المنار في تفسير البقرة 2: 3 إن البلاغة في الكلام هي أن يبلغ المتكلم ما يريد من نفس سامعه بإجابة، موضع الإقناع من العقل، والوجدان من النفس .

وقد أجمع المسلمون على أن بلاغة القرآن في الآية الواحدة بل أحياناً في الحرف، ولكننا نجد فقرات من القرآن لا يُفهم منها شيئاً. وأحياناً يكون الكلام مُبهماً لا معنى له، مثل ما جاء في سورة العاديات 100 : 1 - 5 “وَالعَادِيَاتِ ضَبْحاً فَالمُورِيَاتِ قدْحاً فَالمُغِيرَاتِ صُبْحاً فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً"

وحتى إن كان محمد بلغ حداً من البلاغة لم يصل إليه أحدٌ من كُتَّاب العربية، فهل يدل هذا على الإعجاز؟ لقد حدث أن أتى كثيرون بكتب في غاية البلاغة بلغاتهم، ولم يقل أحد بنبوَّتهم. فمن المعروف أن كاتب الإلياذه والأوديسا (أعظم ملحمتين في اللغة اليونانية، وأكثرها بلاغة ونظماً وأسلوباً) هو الشاعر هوميروس، وكان أُمِّياً لأنه كان أعمى. ورغم ذلك لم يقل أحد بنبوّته. فلو أننا قارنَّا بين القرآن والشعر الجاهلي دون تعصّب أعتقد أن الموقف سيتغير كثيراً.

3 - إعجاز القرآن بعلمه للغيب
قال صاحب المنار إن إخبارالقرآن عن حوادث الماضي يُعدّ ضرباً من ضروب الغيب، وأيضاً إن القرآن أخبر عن حوادث مستقبلية كهزيمة الروم.

نقول: أما ما ذكره في الوجه الأول فهذا ليسإعجازاً، لأن من طالع شعر الجاهليين كأُميّة بن أبي الصلت، وقس بن ساعدة (و غيرهما) يجد نفس هذه الأخبار التي عرفها العرب عن طريق اليهود والنصارى والذين احتك بهم محمد كثيراً في سفره للشام واليمن وفي سوق عكاظ وفي المدينة بلد أخواله. هذا بالإضافة إلى أن محمداً لم يأت بهذه القصص صحيحة، بل كان فيها خرافات وأخطاء، كقوله إن هامان كان وزير فرعون، وإن مريم أم المسيح هي أخت هارون. بل ذهب إلى أن يحدّث موسى واليهود عن الإنجيل وهو قد جاء بعدهم بألف وستمائة عام (الأعراف 7: 157).

4 - إعجاز القرآن بسلامته من الاختلاف
قال صاحب المنار إن القرآن لم يقع فيه اختلاف، مع أن فيه اختلافات من الصحة وعدمها نحو “إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ ; (طه 20: 63) و “إِنَّ الصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى ;(المائدة 5: 69) و “هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ; (الحج 22: 19). وأيضاً فيه تعارض وتناقض.

ورُوي عن سعيد بن جبير، قال جاء رجل إلى ابن عباس فقال: رأيت أشياء تختلف عليّ من القرآن فقال ابن عباس أَشَكٌّ هو؟ فقال: ليس بشكّ، لكنه اختلاف. قال: هات ما اختلف عليك من ذلك. قال اسمع الله يقول: “ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ; (الأنعام 6: 23) وقال: “وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً ; (النساء 4: 42) فقد كتموا. وأسمعه يقول: فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون (المؤمنون 23: 1). ويقول: “وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ ; (الطور 52: 25) وقال: أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ... طَائِعِينَ ; (فصلت 41: 9) ثم قال في الآية الأخرى: ; أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَّوَاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهاَ ; (نازعات 79: 27-30) وورد في القرآن أيضاً “إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالفَحْشَاءِ ; (أعراف 7: 28). وقال “أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا ; (الإسراء 17: 16). (راجع الإتقان باب 48 التناقض والاختلاف).

5 - إعجاز القرآن بالعلوم الدينية والتشريعية
قال رشيد رضا إن مما يعدّ إعجازاً في القرآن احتواءه على أصول العقائد الدينية، وأحكام العبادات، وقوانين الفضائل، وقواعد التشريع المدني والسياسي والاجتماعي.

نقول: إن ما أتى به محمد ليس جديداً على المجتمع العربي، فأصول العقائد كانت منتشرة عن طريق اليهود والنصارى بالجزيرة، ولكنها لم تكن نقية، بل كان يشوبها بعض البدع مما أثر في أن يكون الإسلام خليطاً من هرطقات اليهود والنصارى بالجزيرة. وإذا قرأنا الشعر الجاهلي نجد أن أشهر شعرائهم كانوا يَدْعون إلى الفضائل وأصول العقائد الدينية، فورقة بن نوفل المتوفى سنة 592م يقول:

بدينك رب ليس رب كمثله وتركك جنات الجبال كماهيا

وإدراكك الدين الذي قد طلبته ولم تك عن توحيد ربك ساهيا

أدين لرب يستجيب ولا أرى أدين لمن لا يسمع الدهر داعيا

(راجع الخلافة الإسلامية للمستشار سعيد العشماوي سينا للنشر القاهرة)

ومن المعروف أن محمداً أمضى نحو خمسة عشر عاماً مع ورقة قبل إعلانه نبوته، لأن ورقة هذا كان ابن عم خديجة وهو الذي قام بمراسم زواجها من محمد، وكثيراً ما جلسا سوياً. ومن المرجح أنهما كانا يدرسان الإنجيل العبراني الذي كان ورقة يقوم بترجمته للعربية. فربما كان يقوم بشرحه لمحمد حتى يكتسبه لدينه.

هذا بالإضافة إلى أن كثيراً من التشريعات الإسلامية كانت موجودة عند العرب قبل الإسلام كحدود الزنا والسرقة وشرب الخمر... (راجع الملل والنحل للشهرستاني فصل آراء العرب في الجاهلية تقاليدهم المفصَّل في تاريخ العرب قبل الإسلام جواد علي - الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية لخليل عبد الكريم - سينا للنشر بالقاهرة).

6 - إعجاز القرآن بعجز الزمان على إبطال شيء منه
قال المفسرون: إن القرآن يشتمل على بيان كثير من آيات الله في مخلوقاته، وفيه أخبار الأمم السالفة. ولم تستطع الدراسات أن تبطله.

نقول: إن هذا لا يُعد وجهاً من الإعجاز، فالإعجاز كما عرفه المسلمون أنفسهم هو إتيان فصل مخالف للطبيعة يكون الغرض منه إيمان الناس أو تصديق الرسول (القرطبي مقدمة التفسير).

بالإضافة إلى عدم إتيان محمد بشيء لم يكن معروفاً في عصره، فقد أتى بجملة أخطاء في قصصه وأخباره، كجمعه لهامان وفرعون في زمان واحد. واختراعه أشخاصاً وأنبياء لم يسمع بهم مؤرخ، كلقمان وصالح وشعيب وقارون، وخطئه في الحديث عن سامري بني إسرائيل قبل وجود السامرة بنحو 500 سنة! وأيضاً أخطأ فيما رواه عن سنن الله في الكون من أن الشمس تغرب في عين حمئة (الكهف 18: 86) وأن اللؤلؤ يُستخرج من النهر (الرحمن 55: 22). وقد تناولنا التعليق على هذه الأخطاء في تعليقنا على السور القرآنية في القسم الثاني من هذا الكتاب.

4 - اختلاف قراءات القرآن

معظم أحاديث هذا الفصل أُخذت عن كتابي المصاحف للساجستاني و المصاحف لابن أشتة.

- 1 - اختلف علماء المسلمين في بسم الله الرحمن الرحيم . فقال قُرَّاء المدينة والبصرة والشام وفقهاؤها إن البسملة ليست آية من الفاتحة ولا من غيرها من السور. قال السيد في حاشيته على الكشاف: أجمعت الأمة على أن التسمية في سورة النمل بعض آية منها، فهي من القرآن قطعاً . واختلفوا في التسمية في أوائل السور، فذهب ابن مسعود ومالك وأبو حنيفة وأتباعه إلى أنها ليست من القرآن، ولذلك لا يُجهر بها عندهم في الصلاة، فتكون في القرآن 113 آية زائدة. أما قُرَّاء مكة والكوفة وفقهاؤها فذهبوا إلى أنها آية ولذلك يجهرون بها. قال ابن عباس: من تركها فقد ترك 113 آية من القرآن .

- 2 - ورد في الفاتحة عدد 3 مالك يوم الدين . فقرىء: ملك يوم الدين، ومالك وملك بتخفيف اللام. وقرأ أبو حنيفة مَلَكَ يومَ الدين . بلفظ الفعل ونَصْب اليوم. وقرأ أبو هريرة مالكَ بالنصب، وقرأ غيره ملك وهو نصب على المدح، ومنهم من قرأ مالكُ بالرفع، وملك هو الاختيار لأنه قراءة أهل الحرمين. وعلى كل حال فهي قراءات مختلفة، فالاسم ليس كالفعل والمرفوع ليس كالمنصوب.

- 3 - ورد في الفاتحة آية 5 إياك فقُرئت إيَاكَ بتخفيف الياء، وأَيَّاك بفتح الهمزة والتشديد، وهيّاك بقلب الهمزة هاء. وقال المعترض الغير مؤمن إن بعض أسماء الأعلام في الكتاب المقدس فيها اختلاف. فماذا يقول في اختلاف القراءات هذه؟ فإذا كان يقبلها مع أنها أركان معتبرة من الكلام، فلماذا لا يقبل بعض الأعلام ويقول إنها لغات أيضاً؟

- 4 - ورد في الفاتحة 6 “ا هْدِنَا الصِّرَاطَ “فقرأ عبد الله أرشدنا. أما كتابة الصراط فتارة يكتبونها بالصاد وأخرى بالسين.

- 5 - ورد في الفاتحة 7 “صِرَاطَ الذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ “فقرأ ابن مسعود صراط من أنعمت عليهم .

- 6 - ورد في الفاتحة 7 “غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ “فقرأ عمر وعلي وغير الضالين .

- 7 - ورد في آخر سورة الفاتحة لفظة آمين . فقال علماء المسلمين: ليست من القرآن. ولذا قال أبو حنيفة: الواجب عدم الجهر بها.

- 8 - نُقل عن عثمان أن عكرمة لما عرض عليه المصحف وجد فيه حروفاً من اللحن، فقال: لا تغيّروها، فإن العرب ستقيمها بألسنتها . فلا عجب إذا وُجدت فيه بعض أغلاط نحوية، فإنه إذا كُتب على غير قياس الكتابة فلا بد أن يطرأ عليه الخطأ في كتابته وقراءته، وهذا اعتراف من جامع القرآن بوجود أغلاط فيه.

- 9 - ورد في البقرة 2: 2 “ذَلِكَ الكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ “فقرأ أبو الشعثاة لا ريبُ فيه بالرفع، والفرق بينهما وبين المشهورة أن المشهورة توجب الاستغراق وهذه تجوزه. والوقف على فيه هو المشهور، وعن نافع وعاصم أنهما وقفا على لا ريب .

- 10 - ورد في البقرة 2: 4 “وَالذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلكِ “فقرأ يزيد بن قطب هذه العبارة على لفظ ما سمي فاعله، وقوله يوقنون قرأها أبو حية النميري يؤقنون بقلب الواو همزة.

- 11 - ورد في البقرة 2: 6 “إِنَّ الذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ “فقُرىء بتخفيف الهمزتين، والتخفيف أعرب وأكثر، وبتخفيف الثانية بين بين، وبتوسيط ألف بينهما محققتين، وبتوسيطها. والثانية بين بين، وبحذف حرف الاستفهام، وبحذفه وإلقاء حركته على الساكن قبله.

- 12 - ورد في البقرة 2: 7 قوله “خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمِْ غِشَاوَةٌ “فقرأ ابن أبي عبلة وعلى أسماعهم . وقرىء غِشاوةَ بالكسر والنصب و غُشاوةُ بالضم والرفع، و غَشاوةَ بالفتح والنصب، و غِشوةُ بالكسر والرفع و غَشُوةَ بالفتح والرفع والنصب، و عشاوةُ بالعين غير المعجمة والرفع من العشا.

- 13 - ورد في البقرة 2: 9 قوله “يُخَادِعُونَ اللَّهَ “قرأ أبو حياة يخدعون . وقوله وما يخادعون إلا أنفسهم قرىء وما يخدعون و يخدّعون من خدّع ويَخدعون بفتح الياء بمعنى يختدعون ويخدعون ويخادعون على لفظ ما لم يُسمَّ فاعله.

- 14 - ورد في البقرة 2: 10 قوله “وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ “قرىء يكذّبون من كذّبه الذي هو نقيض صدّقه.

- 15 - ورد في البقرة 2: 14 “وَإِذَا لَقُوا الذِينَ آمَنُوا “قرأ أبو حنيفة: وإذا لاقوا.

- 16 - ورد في البقرة 2: 15 “وَيمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ “قرأ ابن كثير وابن محيص ويمدّهم . وقرأ نافع واخوانهم يمدّونهم . وقرأ زيد بن علي في طغيانهم بالكسر.

- 17 - ورد في البقرة 2: 16 “فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ “فقرأ ابن أبي عبلة تجاراتهم .

- 18 - ورد في البقرة 2: 17 قوله فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات . فقرأ أبو عبلة ضاءت . وقرأ اليماني اذهب الله . وقرأ الحسن ظلْمات بسكون اللام. وقرأ اليماني في ظلمة بالمفرد.

- 19 - ورد في البقرة 2: 19 “أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ“فقرىء صائب .

- 20 - ورد في البقرة 2: 20 “يَكَادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ ;، فقرأ مجاهد يخطِف بكسر الطاء، والفتح أفصح وأعلى. وعن أبي مسعود يختطف . وعن الحسن يخطف وأصله يختطف وعنه يخطف بكسرهما على اتباع الياء الخاء. وعن زيد بن علي يخطف من خطف. وعن أبيّ يتخطف من قوله و يتخطف الناس من حولهم . وقوله فلما أضاء لهم قريء ضاء . وقوله وأظلم فقرأ يزيد بن قطيب أظلم على ما لم يُسمَّ فاعله. وقوله لذهب بسمعهم وأبصارهم فقرأ ابن أبي عبلة لأذهب بأسماعهم بزيادة الباء.

- 21 - ورد في البقرة 2: 21 “الذِي خَلَقَكُمْ وَالذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ; فقرأ أبو السميفع وخلق من قبلكم . وفي قراءة زيد بن علي والذين من قبلكم . قال علماء المسلمين وهي قراءة مشكلة، ووجهها على أشكالها أن يقال أقحم الموصول الثاني بين الأول وصلته تأكيداً.

- 22 - ورد في البقرة 2: 22 “الذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً ; فأخرج به من الثمرات فقرأ يزيد الشامي بساطاً . وقرأ طلحة مهاداً . وقرأ محمد بن السميفع من الثمرة على التوحيد.

- 23 - ورد في البقرة 2: 22 أيضاً قوله “فَلَا تَجْعَلُواللَّهِ أَندَاداً ; فقرأ محمد بن السميفع فلا تجعلوالله نداً بالمفرد.

- 24 - ورد في البقرة 2: 23 “وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَّزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا “فقرىء على عبادنا والمراد محمد وأمته.

- 25 - ورد في البقرة 2: 24 قوله “أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ “فقرأ عبد الله اعتدت من العتاد بمعنى العدة.

- 26 - ورد في البقرة 2: 25 “وَبَشِّرِ الذِينَ آمَنُوا “فقرأ زيد بن علي وبُشر على لفظ المبني للمفعول عطفاً على أعدّت.

- 27 - ورد في البقرة 2: 25 قوله “وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ “فقرأ زيد بن علي مطهرات . وقرأ عبيد بن عمير مطهرة بمعنى متطهرة.

- 28 - ورد في البقرة 2: 26 قوله “إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي “فقرأ ابن كثير في رواية شبل يستحي بياء واحدة.

- 29 - ورد في البقرة 2: 26 قوله “يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الفَاسِقِينَ “وقرأ زيد بن علي يضل به كثير . وكذلك وما يضل به إلا الفاسقون . وورد في البقرة 28 “ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ; فقرأ يعقوب تَرجعون بفتح التاء في جميع القرآن.

- 30 - ورد في البقرة 2: 30 “إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً “فقرىء خليقة بالقاف. و يسفك الوارد في هذا العدد قرىء يُسفك بضم الفاء ويسفك ويسفك من أسفك وسفك.

- 31 - ورد في البقرة 2: 31 “وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى المَلَائِكَةِ “فقرىء وعُلم آدم على البناء للمفعول وقرأ عبد الله عرضهن . وقرأ أبيّ عرضها .

- 32 - ورد في البقرة 2: 33 “قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ “فقرىء أنبيهم بقلب الهمزة ياء. وانْبِهِم بحذفها، والهاء مكسورة فيهما.

- 33 - ورد في البقرة 2: 35 “وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ “فقرىء بكسر التاء، و هذي بالياء، والشِجرة بكسر الشين.

- 34 - ورد في البقرة 2: 36 “فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا “فقرىء فأزالهما . وقرأ عبد الله فوسوس لهما الشيطان عنها .

- 35 - ورد في البقرة 2: 38 “فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ “فقرىء هديّ على لغة هذيل، ولا خوفَ بالفتح.

- 36 - ورد في البقرة 2: 40 “يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ التِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ “فقرىء إسرائل بحذف الياء و إسرال بحذفهما و إسراييل بقلب الهمزة ياء. وقوله اذكروا قرىء اذّكروا والأصل اذتكروا . وقوله أوف قرىء أوفّ بالتشديد.

- 37 - ورد في البقرة 2: 42 قوله: “وَلَا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الحَقَّ “ولكن في مصحف ابن مسعود وتكتمون .

- 38 - ورد في البقرة 2: 46 “الذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُلَاقُو رَبِهِّمْ “ففي مصحف عبد الله بن مسعود يعلمون عوضاً عن يظنون .

- 39 - ورد في البقرة 2: 48 “وَا تَّقُوا يَوْماً لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً “فقرىء لا تجزىء من أجزاء عنه إذا أغنى، وقرأ أبو السرار الغنوي لا تجزي نسمة عن نسمة شيئاً . وقوله ولا يقبل قرأ ابن كثير وأبو عمرو ولا تقبل بالتاء.

- 40 - ورد في البقرة 2: 49 قوله “وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ “فقرىء أنجيناكم ونجيتكم وأنجيتكم.

- 41 - ورد في البقرة 2: 49 “يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ ; وقرأ الزهيري يذبحون بالتخفيف وقرأ ابن مسعود يقتلون.

- 42 - ورد في البقرة 2: 50 “وَإِذْ فَرَقْنَا ; فقرىء فرّقنا .

- 43 - ورد في البقرة 2: 51 “وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى ; فقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي واعدنا .

- 44 - ورد في البقرة 2: 55 “لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةٌ “قرىء جَهَرة بفتح الهاء. وقوله فأخذتكم الصاعقة قرأ عليّ فأخذتكم الصعقة .

- 45 - ورد في البقرة 2: 58 “حِطَّةٌ ; فقرىء حطةً بالنصب. وقوله نغفر لكم قرأ نافع بالياء وابن عامر بها على البناء للمفعول.

(1) فترى من هنا أنه لا تكاد تخلو لفظة من القرآن من قراءة، إما بتغيير حركة أو حرف أو كلمة أو جملة كما تقدم. ولا يخفى ما يترتب على هذه القراءات من الأحكام المختلفة المتباينة.

(2) اقتصرنا في إيراد 45 قراءة مختلفة في نحو 55 آية فقط، وهي سُدس سورة البقرة.

(3) ظهر مما تقدم أن الفاتحة أول كتابهم فيها الزيادة، فإن أجلاء أئمة المسلمين ذهبوا إلى أن البسملة ليست من القرآن بل هي زائدة، فتبلغ الزيادة الناشئة عن هذه العبارة وحدها نحو 113 آية (كما قال ابن عباس الذي هو ترجمان القرآن). وكذلك أجمع العلماء على أن لفظة آمين زائدة. وغير ذلك مما ورد في الفاتحة من التغيير والتبديل وهو معدود من القراءات عند المسلمين.

(4) لو أتينا بالمدرج في القرآن لكان شيئاً جسيماً، فإن المسلمين زادوا في القرآن شيئاً على كتابهم على وجه التفسير، كقراءة سعد بن أبي وقاص وله أخ وأخت من أم . والأصل وله أخ أو أخت (النساء 4: 12). ومن ذلك أيضاً قراءة ابن عباس ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم في مواسم الحج أخرجها البخاري. ولا يخفى أن الأصل هو بدون كلمة في مواسم الحج فهي زائدة (البقرة 2: 198). ومن ذلك أيضاً قراءة ابن الزبير ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويستعينون بالله على ما أصابهم وهي في (آل عمران 3: 104) ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وأولئك هم المفلحون . فزادوا قوله ويستعينون بالله على ما أصابهم . قال عمرو: فما أدري أكانت قراءة، أم فسَّر . وأخرج الحسن انه كان يقرأ وإن منكم إلا واردها (مريم 19: 71). الورود الدخول. قال الانباري: قوله الورود الدخول تفسير من الحسن لمعنى الورود. وغلط فيه بعض الرواة فأدخلوه في القرآن . قال ابن الجزري في آخر كلامه: وربما كانوا يدخلون التفسير في القراءات إيضاحاً وبياناً . وذهب بعضهم إلى أن بعض الصحابة كان يجيز القراءة بالمعنى، وأفرد السيوطي للمدرج تأليفاً، وقس على ذلك أحاديثهم.

(5) لعل أصل هذه الاختلافات ناتج عن طريقة الكتابة نفسها، فقد كانت المصاحف تُكتب دون تنقيط أو تشكيل، فكلمة أشاء يمكن نطقها أساء . أو تبينوا تثبتوا . ولعل الاختلاف أحياناً يغيّر الكلمة إلى العكس، مثل غُلبت يمكن نطقها غَلبت . ولا يخفى أن مثل هذه الاختلافات تقع في أكثر من نصف القرآن، مما يؤدي إلى عدم التأكد من مدلولات الكلمة، لاحتمال وقوع الخطأ فيها.

(6) جمع الحجاج بن يوسف كل مصحف وأسقط منه أشياء كثيرة ذكروا منها في كتاب المصاحف للساجستاني، و الموسوعة القرآنية لإبراهيم الإبياري الجزء الأول:

أ - لم يتسن وانظر البقرة 2: 259 جعلها لم يتسنه بالهاء.

ب - شريعة ومنهاجاً المائدة 5: 48 جعلها شرعة ومنهاجاً .

ج - هو الذي ينُشركم يونس 10: 22 جعلها يسيركم .

د - أنا آتيكم بتأويله يوسف 12: 45 جعلها أنا أنبئكم بتأويله .

ه - سيقولون لله المؤمنون 23: 85 ، 87 ، 89 جعلها سيقولون الله الله .

و - من المخرجين الشعراء 26: 116 جعلها من المرجومين .

ز - من المرجومين الشعراء 26: 167 جعلها من المخْرجين .

ح - نحن قسمنا بينهم معايشهم الزخرف 43: 32 جعلها معيشتهم .

ط - من ماء غير ياسن محمد 47: 15 جعلها غير آسن .

ي - فالذين آمنوا منكم واتقوا الحديد 57: 7 جعلها وانفقوا .

ك - وما هو على الغيب بظنين التكوير 81: 24 جعلها بضنين . ( المصاحف للساجستاني).

والحجاج كان يتقرب إلى بني أمية، ولا يجوز ائتمانه على هذا العمل، فزاد وأنقص حسب هواه!

- 5 - كيف جُمع القرآن؟
أجمع أئمة المسلمين على أن محمداً مات ولم يكن القرآن جُمع في شيء، وقالوا إن سبب ذلك ما كان يترقبه محمد من ورود ناسخٍ لبعض أحكامه أو تلاوته. فلما انقضى نزوله بوفاته شرع الخلفاء الراشدون في جمعه، لئلا تغتال أيدي الضَّياع ما بقي منه.

ولا يخفى أن الكتب المقدسة (أي التوراة والإنجيل) لم تكن بهذه الصفة، فقد دوَّنها أنبياء الله لهداية المؤمنين إلى طرق الحق اليقين، وكانت تُقرأ في المعابد مدة حياتهم، وكثيراً ما حضَّ الرسول بولس على قراءة رسائله في الكنائس، فكانوا يتعبّدون بتلاوتها مدة وجود الأنبياء والرسل، بخلاف القرآن، فإنه كان مبعثراً قابلاً للضياع والزيادة والنقصان.

كانت معرفة القرآن قاصرة على أربعة فقط، والدليل على ذلك ما رواه البخاري عن عبد الله بن العاص، قال: سمعت محمداً يقول: خذوا القرآن من أربعة (1) عبد الله بن مسعود و(2) سالم و(3) معاذ و(4) أبيّ بن كعب (صحيح البخاري باب القُرَّاء من أصحاب النبي). أي تعلَّموا منهم. والأربعة المذكورون أولهما من المهاجرين، والثالث والرابع من الأنصار. وسالم هو ابن معقل مولى أبي حذيفة، ومعاذ هو ابن جبل. وقُتل سالم مولى أبي حذيفة في موقعة اليمامة، ومات معاذ في خلافة عمر، ومات أبيّ وابن مسعود في خلافة عثمان. أما زيد بن ثابت فتأخر عنهم، وقالوا عنه: انتهت إليه الرئاسة في القراءة، وعاش زمناًطويلاً.وروى البخاري أيضاً عن قتادة قال: سألتُ أنس بن مالك: من جمع القرآن على عهد رسول الله؟ فقال: أربعة كلهم من الأنصار، أبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد. قلت: من أبو زيد؟ قال أحد عمومتي (صحيح البخاري باب الجمع). وروي أيضاً من طريق ابن ثابت عن أنس قال: مات النبي ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد . وفيه مخالفة لحديث قتادة من وجهين: أحدهما التصريح بصيغة الحصر في الأربعة، والآخر ذكر أبا الدرداء بدل أبيّ بن كعب. وقد استنكر جماعة من الأئمة الحصر في الأربعة، ولكن تمسَّك بقول أنس جماعة من الملاحدة، يعني أنهم استدلوا بذلك على ضياع كثير من القرآن، ولا سيما الآيات التي تساعدهم على تأييد مذهبهم، فإن هؤلاء الأربعة ماتوا قبل جمع القرآن. وقالوا إنه كان يوجد كثير من القراء ماتوا قبل جمع القرآن. قال القرطبي: قُتل يوم اليمامة 450 قارئاً، وقتل في عهد النبي ببئر معونة مثل هذا العدد (البداية والنهاية ابن كثير موقعة اليمامة).

ولما رأى أبو بكر هذا الحال جزع من ضياع القرآن، فقد روى البخاري في صحيحه عن زيد بن ثابت، قال: أرسل إليّ أبو بكر وقت مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده. فقال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال إن القتل قد استحرّ يوم اليمامة بقُرّاء القرآن، وإني أخشى أن يستحرّ القتل بالقرَّاء في المواطن، فيذهب كثير من القرآن. وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن. فقلتُ لعمر: كيف تفعل شيئاً لم يفعله رسول الله؟ قال: هذا والله خير. فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر. قال زيد، قال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتّهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله، فتتبَّعْ القرآن فاجمَعْه . فوالله لو كلّفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ مما أمرني به من جمع القرآن. قلت: كيف تفعلون شيئاً لم يفعله رسول الله؟ قال هو والله خير. فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر، فتتبعت القرآن أجمعه من العُسُب واللِّخاف وصدور الرجال، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري، لم أجدها مع أحد غيره. لقد جاءكم رسول حتى خاتمة التوبة. فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياتَهُ، ثم عند حفصة بنت عمر (صحيح البخاري باب جمع القرآن). وفي رواية أخرى أن أبا بكر سأل زيد بن ثابت في ذلك فأبى، حتى استعان عليه بعمر، ففعل. وفي مغازي موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: لما أُصيب المسلمون باليمامة فزع أبو بكر، وخاف أن يذهب من القرآن طائفة، فأقبل الناس بما كان معهم وعندهم (القرآن المجيد دروزة ص54).

فهذه النصوص وغيرها ناطقة بأنه مات جلُّ حفَّاظ القرآن إذا لم نقل كلهم، حتى جزع أبو بكر من ضياعه كله، فكلّف زيداً بجمعه من الشتات، فقال زيد: لو كلّفوني نقل جبل لكان أسهل عليّ من جمع القرآن .

فأخذ زيد يجمعه من العُسُب واللِّخاف، وفي رواية والرِّقاع وفي أخرى وقِطَعِ الأديم وفي أخرى والأكتاف وفي أخرى والأضلاع وفي أخرى والأقتاب . والعُسب جمع عسيب، وهو جريد النخل. كانوا يكشفون الخوص ويكتبون في الطرف العريض. واللِّخاف (جمع لَخْفة) وهي الحجارة الدقاق. قال الخطابي صفائح الحجارة. والرقاع جمع رقعة وقد تكون من جلد أو ورق أو كاغد. والأكتاف جمع كتف وهو العظم الذي للبعير أو الشاة، كانوا إذا جف كتبوا عليه. والأقتاب جمع قتب وهو الخشب الذي يُوضع على ظهر البعير ليُركب عليه.

وقال أبو بكر لعمر ولزيد: اقعدا على باب المسجد، فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه . وكان زيد لا يكتب آية إلا بشاهدي عدل. ولم توجد آخر سورة التوبة إلا مع أبي خزيمة بن ثابت، فقال: اكتبوها فإن الرسول جعل شهادته بشهادة رجلين، فكتب. وإن عمر أتى بآية الرجم فلم يكتبها لأنه كان وحده، وسبب كل ذلك أن القرآن كان مفرَّقاً في الرقاع والأكتاف والعسُب (الإتقان للسيوطي باب جمع القرآن).

وعلى هذا لابد أنه ضاع كثير منه إذا نظرنا إلى اشتغال محمد بالغزوات وغيرها، فإنه كان يقول بنزول الآيات في رحلاته وهجرته، ووقت تقسيم الغنائم.

ولا مجال لمقارنة هذا بحال الأمة اليهودية التي ظهر بينهم المسيح، الذي كان يعلّم جهاراً على رؤوس الأشهاد أمام نبلاء الأمة اليهودية وعلمائها وأئمة ديانتها، حتى تعجّبوا من حكمته التي بهرت عقولهم، ودُوِّنت تعاليمه في الصحف والكتب كالطريقة الجارية عند الأمة اليهودية. وكان المؤمنون يقرأونها في معابدهم، وكذلك الرسل الذين كانوا يقفون أمام الفلاسفة والقياصرة والملوك ويوضحون لهم طريقة الفداء العجيب، وكانت تُدوّن أقوالهم في الصحف للاهتداء بها. وبالاختصار إن الكتب المقدسة لم تكن مكتوبة على العسب أو دقاق الحجارة أو قطع الجلود أو عظام البعير أو قطع الأخشاب، بل كانت تُكتب على هيئة درج في الرق وتوضع في محل خصوصي في المعابد وفي البيوت. ولم يكن الحال قاضياً إلى شهادة لأخذ أقوال الله من أفواه البشر الذين خطأهم أكثر من صوابهم، ولا سيما أن الإنسان ابن النسيان.

نقص واختلاف وزيادة في القرآن:
(1) ومما يدل على حصول زيادة في القرآن ما رواه محمد بن سيرين عن عكرمة قال: لما كان بعد بيعة أبي بكر، قعد علي بن أبي طالب في بيته، فقيل لأبي بكر: قد كره بيعتك . فأرسل إليه فقال: أكرهْتَ بيعتي؟ قال: لا والله . قال: ما أقعدك عني؟ قال: رأيتُ كتاب الله يُزاد فيه، فحدّثْتُ نفسي أن لا ألبس ردائي، إلا لصلاةٍ، حتى أجمعه . قال له أبو بكر: فإنك نعم ما رأيت . قال محمد بن سيرين: فقلت لعكرمة ألفوه كما أنزل، الأول فالأول . قال: لو اجتمعت الإنس والجن على أن يؤلفوه هذا التأليف ما استطاعوا . وهذا يدل بأن القرآن الحالي ليس مكتوباً حسب أوقات نزوله، بل اجتهد الخلفاء وغيرهم في ترتيبه حسب ذوقهم، لأنه كان مبدداً (الإتقان للسيوطي باب الجمع).

(2) ومما يؤيد حصول التغيير ما أخرجه ابن أشته في المصاحف من وجهٍ آخر عن ابن سيرين، في أنه كتب في مصحفه الناسخ والمنسوخ، وقال ابن سيرين: فطلبت ذلك الكتاب وكتبت فيه إلى المدينة فلم أقدر عليه . يعني أنه كان يوجد قرآن غير المتداول الآن. ومع أنه بحث عنه إلا أنه لم يجده (الإتقان للسيوطي باب الجمع).

(3) ومما يدل على سقوط أشياء منه ما أخرجه ابن أبي داود، من طريق الحسن، أن عمر سأل عن آية من كتاب الله فقيل: كانت مع فلان، قُتل يوم اليمامة . فقال: إنَّا لله . وأمر بجمع القرآن، فكان أول من جمعه في الصحف. قال السيوطي: أي أول من أشار بجمعه (المصاحف للساجستاني باب جمع عمر للقرآن، والمرجع السابق).

وسقوط أشياء منه أمر طبيعي، لأنه كان مفرَّقاً في العُسب وفي صدور الرجال، لا في كتاب.

وقد اختلفوا في الذي جمع القرآن. قالوا إن الأربعة الذين تقدَّم ذكرهم ماتوا ولم يُجمع. ومرة قالوا: زيد بن ثابت هو الذي جمعه، ومرّة قالوا إن أول من جمع القرآن في مصحف هو سالم مَوْلى أبي حذيفة، ومرة قالوا إن عليا بن أبي طالب كان قد عزم على جمعه، وأقسم ألا يرتدي برداء حتى يجمعه. فجمعه ثم تساءلوا: ماذا يسمّونه، فقال بعضهم: سمّوه السِّفر، قال: ذلك اسمٌ تسميه اليهود . فكرهوه. فقال: رأيت مثله بالحبشة يُسمّى المصحف . فأجمع رأيهم على أن يسمّوه المصحف. (دروزة القرآن المجيد ص 53).

ويؤخذ من أقوالهم أنه كان لكل فريق قرآن، فكان يوجد قرآن فيه الناسخ والمنسوخ، ويوجد قرآن مرتب حسب النزول. ولو لم تكن نسخ عديدة لما أمر عثمان بإحراقها.

اختلافهم في القرآن وإحراق عثمان نسخه:

لما رأى حذيفة اختلاف الناس في القراءة، حثَّ عثمان على أن يتلافى الأمر، فأمر بعضهم أن يجمعوه، وأمر بإحراق غيره. روى البخاري عن أنس، أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة. فقال لعثمان: أدرِك الأمة قبل أن يختلفوا اختلاف اليهود والنصارى . فأرسل إلى حفصة أن أرسلي إلينا الصحف ننسخها في المصاحف ثم نردّها إليك، فأرسلتها إلى عثمان. فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف. وقال عثمان للقريشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنه إنما نزل بلسانهم . ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف ردَّ عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يُحرَق. قال زيد: فُقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف، كنت أسمع رسول الله يقرأ بها، فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فألحقناها في سورتها في المصحف . قال ابن حِجْر: وكان ذلك في سنة 25 . وذهب بعضهم إلى أنه في سنة 30 (صحيح البخاري باب جمع القرآن).

وأخرج ابن أشْته من طريق أيوب عن أبي قلابة قال: حدّثني رجل من بني عامر يُقال له ابن مالك، قال: اختلفوا في القرآن على عهد عثمان حتى اقتتل الغلمان والمعلمون، فبلغ ذلك عثمان بن عفان فقال: عندي تكذبون به وتلحنون فيه! فمن نأى عني كان أشد تكذيباً وأكثر لحناً. يا أصحاب محمد، اجتمعوا فاكتبوا للناس إماماً . فاجتمعوا فكتبوا، فكانوا إذا اختلفوا في أي آية قالوا: هذه أقْرأها رسول الله فلاناً، فيرسل إليه وهو على رأس ثلاثة من المدينة، فيُقال له: كيف أقرأك رسول الله آية كذا وكذا؟ فيقول: كذا وكذا، فيكتبونها وقد تركوا لذلك مكاناً . وأخرج ابن أبي داود من طريق محمد بن سيرين عن كثير بن أفلح، قال: لما أراد عثمان أن يكتب المصاحف، جمع له اثني عشر رجلاً من قريش والأنصار، فبعثوا إلى الربعة التي في بيت عمر فجيء بها. وكان عثمان يتعاهدهم، فكانوا إذا اختلفوا في شيء أخّروه. فظنَنْتُ إنما كانوا يؤخّرونه لينظروا أحدثهم عهداً بالعرضة الأخيرة، فيكتبونه على قوله ( المصاحف للساجستاني باب جمع عثمان للمصحف).

يتضح من هذه الأحاديث أنه لما رأى عثمان أنه كادت تقع فتنة أو حرب داخلية بسبب اختلاف الناس في القرآن، عقد جمعية ليكتبوا للناس إماماً. وهذه هي نتيجة عدم التبصُّر، فأنبياء الله الحقيقيون كانوا يكتبونكتبهم، ويحثون الناس على تلاوتها وتعليمهالأولادهم وأحفادهم، ويحرصون عليها أن تكون دستوراً لقضاتهم وحكامهم وملوكهم. ولم يكتب نبي من الأنبياء كتابه بالطريقة التي كُتب بها القرآن، ولا بالكيفية التي جُمع بها. ومع أن كتب العهد القديم 39 كتاباً، لكن تولى ضمّها إلى بعضها عزرا النبي. ومع أن كتب العهد الجديد 27 كتاباً ولكنها جُمعت في سفر واحد تحت ملاحظة يوحنا اللاهوتي. وكلٌّ من عزرا ويوحنا نبي كريم، يقدر أن يميِّز الأرواح يعني يميز الكتاب الموحى به من غيره. فكانت الكتب المقدسة سالمة من أي عيب.

- 1 - تولّى جمع القرآن أناس اشتهروا بالغدر والكذب. فعثمان مات مقتولاً بعد أن ثبت عليه الغدر والكذب. والذين تولّوا جمع القرآن لم يقدروا أن يميّزوا الأقوال التي بوحيٍ من غيرها، فكانوا يستشهدون بالعرب المجرَّدين عن المعارف الإلهية والدنيوية، الذين يقول القرآن عنهم: “الأَعْرَابُ أَشدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ! ; (التوبة 9: 97).

- 2 - لم يختلف أحد على وحي التوراة والإنجيل، ولا اقتتل الغلمان بسببهما، بل بالعكس كانتا سبب بركة لهم، لأنهما لم يكونا مبعثرَيْن مفرَّقين. ولما رأى علماء المسلمين أن هذا يحط بقدر القرآن قالوا إنه كثُر الاختلاف في عصر عثمان في وجوه القراءة، فقرأوه بلغاتهم على اتساع اللغات، فأدَّى ذلك بعضهم إلى تخطئة بعض، فخشي عثمان من تفاقم الأمر في ذلك، فنسَخ تلك الصحف في مصحف واحد، واقتصر من سائر اللغات على لغة قريش.

ولو سلمنا بذلك لقلنا إن الكتب المقدسة منزّهة عن هذه الاختلافات، فلما نزلت كانت باللغة الفصيحة المفهومة عند الناس.

- 3 - لا يمكن أن ينكر علماء المسلمين وقوع الخلاف الشديد في القرآن. وقد اختلفوا في المصاحف التي أرسل بها عثمان إلى الآفاق، والمشهور أنها خمسة، وقيل إنها أربعة، وقيل سبعة. فأرسل إلى مكة، والشام، واليمن، والبحرين، والبصرة، والكوفة، وأبقى بالمدينة واحداً.

وقيل: لما رأى عثمان اختلاف القرّاء واستفحال الشرّ، بعث فأرسل ما أمكن جمعه من الرقاع. ولم يتعرّض أحدٌ لمصحف علي بن أبي طالب، ولا لمن كان يقرأ بقرائته. وقد مات أُبيّ بن كعب قبل جمع القرآن. ولما طلبوا من عبد الله بن مسعود أن يعطيهم مصحفه رفض، فصرفوه عن الكوفة واستخدموا أبا موسى الأشعري. وأمروا زيد بن ثابت الأنصاري وعبد الله بن عباس (وقيل محمد بن أبي بكر) بجمع القرآن، وكانا حديثي السن. وقال لهما عثمان: إذا اختلفتما في شيءٍ فاكتباه بلغة قريش . ولما جمعوه أرسلوا نسخة منه إلى مكة (احترقت سنة 200هـ) ونسخة للمدينة (فُقدت أيام يزيد بن معاوية) ونسخة إلى العراق (فُقدت أيام المختار) وأرسلوا نسخة أخرى إلى الشام. وأمر عثمان الولاة أن يجمعوا ما عندهم من المصاحف ويغلوا لها الخل ويسرحوها فيه ويتركوها حتى تتقطع وتهترىء، ولا يبقى شيء منها، وتوعَّد من يخالف أمره (الإتقان للسيوطي كتاب المصاحف).

ترتيب القرآن اجتهادي واختلاف نسخه:

لا نتعجب إذا لم يتيسّر للمسلمين ترتيب القرآن حسب أصله، فقد كان ترتيبه اجتهادياً. أخرج ابن أبي داود في المصاحف، من طريق محمد بن اسحق، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه. قال: أتاني الحارث بن خزيمة بهاتين الآيتين من آخر سورة التوبة، فقال: أشهد أني سمعتهما من رسول الله ووعيتهما. فقال عمر وأنا أشهد لقد سمعتهما. ثم لو كانت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدة. فانظروا آخر سورة من القرآن فألْحقوها في آخِرها . قال ابن حِجْر: ظاهر هذا أنهم كانوا يؤلفون آيات السور باجتهادهم، ولما رأوا أن هذا يحط بمقام القرآن استشهدوا بأحاديث (الإتقان باب الجمع).

على أن ترتيب الآيات هو بتوفيق. والأقرب إلى الحق أنه كان باجتهاد الصحابة. وقال جمهور العلماء إن ترتيب السور كان اجتهادياً. قال السيوطي في الإتقان : مما استدل به على أن ترتيب السور هو اجتهادي، اختلاف مصاحف السلف في ترتيب السور، فمنهم من رتبها على النزول، وهو مصحف علي، كان أوله إقرأ ثم المدثر ثم ن ثم المزمل ثم تبَّت ثم الكوثر وهكذا إلى آخر المكي والمدني. وكان أول مصحف ابن مسعود البقرة ثم النساء ثم آل عمران على اختلاف شديد. وكذا مصحف أُبيّ وغيره (الإتقان باب ترتيب القرآن).

وأخرج ابن أشته في المصاحف قال: أمرهم عثمان أن يتابعوا الطوال . ولهم كلام طويل في ذلك. وإنما نقول إنه لم يتيسّر لعثمان ولا لغيره ترتيب القرآن حسب نزوله، فقد كان محمد تارة يقول بنزول آياتٍ في السفر، وأخرى في الحضر، وتارة في النهار وأخرى في الليل، وتارة في الصيف وأخرى في الشتاء، ومرة في الفرش وأخرى في النوم، ومرة في الأرض وأخرى في السماء، حتى قسموه إلى سَفَري وحضري ونهاري وليلي وصيفي وشتائي وفراشي ونومي وأرضي وسمائي. فمن ذا الذي كان معه في جميع هذه الأزمنة والأمكنة حتى يعرف أوقات نزوله بالتقريب؟ وزد على هذا أن بعضه نزل مفرَّقاً، وبعضه نزل جمعاً، وغير ذلك. فلا عجب إذا اختلفوا فيه اختلافاً كبيراً جداً، وإذا سقط منه وزيد عليه شيء كثير (راجع الفصول الأولى من كتاب الإتقان للسيوطي).

ومما يؤيد حصول الزيادة والنقصان ما جاء في المستدرك عن ابن عباس قال: سألت علياً بن أبي طالب: لِمَ لم تكتب في التوبة بسم الله الرحمن الرحيم؟ قال: لأنها أمان، والتوبة نزلت بالسيف . وعن مالك أن أول التوبة لما سقط سقطت معه البسملة، فقد ثبت أنها كانت تعدل البقرة لطولها. وفي مصحف ابن مسعود 112 سورة، لأنه لم يكتب المعوَّذتين، وفي مصحف أبيّ 116 ، لأنه كتب في آخره سورتي الحفد والخلع، وهما غير موجودتين في القرآن المتداول بين المسلمين الآن. وأخرج أبو عبيد عن ابن سيرين قال: كتب أبيّ بن كعب في مصحفه فاتحة الكتاب والمعوذتين، واللهمّ إنّا نستعينك، واللهمّ إياك نعبد. وتركهنّ ابن مسعود. وكتب عثمان منهنّ فاتحة الكتاب والمعوذتين . ومع ذلك يقولون إن القرآن الموجود هو الذي كان في اللوح المحفوظ، وإنه أُنزل كما هو. فليخبرونا: هل القرآن الذي كان في اللوح المحفوظ هو حسب قرآن علي، أو قرآن ابن مسعود، أو أبي بكر، أو عمر، أو عثمان، أو عائشة؟

أخرج الطبراني (وهنا حذفنا الأسانيد لطولها) قال: قال لي عبد الملك بن مروان: لقد علمت ما حملك على حب أبي تراب، إلا أنك أعرابي جاف. فقلت: والله لقد جمعتُ القرآن من قبل أن يجتمع أبواك، ولقد علّمني منه علي بن أبي طالب سورتين علّمهما إياه رسول الله ما علِمتهما أنت ولا أبوك: اللهمّ إنّا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك. اللهمّ إياك نعبد ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد. نرجو رحمتك ونخشى عذابك. إن عذابك بالكفار ملحق . وأخرج البيهقي أن عمر بن الخطاب قنت بعد الركوع فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، اللهمّ إنّا نستعينك إلى آخر ما تقدم. وإنما عوضاً عن ونخشى عذابك قال: ونخشى نقمتك . وقالوا في مصحف ابن عباس: بسم الله الرحمن الرحيم، اللهمّ إنّا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك الخير، ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك . وفيه: اللهمّ إياك نعبد ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد نخشى عذابك ونرجو رحمتك. إن عذابك بالكفار ملحق . قال العلماء (ومنهم الإمام فخر الدين) إن ابن مسعود كان ينكر أن سورة الفاتحة والمعوذتين من القرآن. وقال ابن حجر في شرح البخاري: قد صحَّ عن ابن مسعود إنكار ذلك . وأخرج أحمد وابن حبان عنه أنه كان لا يكتب المعوّذتين في مصحفه. وأخرج عبد الله بن أحمد في زيادات المسند والطبراني وغيره، قال: كان عبد الله بن مسعود يحكّ المعوذتين من مصاحفه، ويقول إنهما ليستا من كتاب الله (الإتقان باب الجمع).

وأكد ابن حجر أنه حذفهما من قرآنه. وأخرج أبو عبيد بسند صحيح أنه أسقط الفاتحة أيضاً من مصحفه، ولما رأوا أن ذلك يحط بقدر القرآن قالوا إنه ترك الفاتحة لشهرتها. فهل تَرَك المعوّذتين لشهرتهما أيضاً؟ فإذا فعل ذلك فلا مانع إذا كان يترك القرآن كله لشهرته!

ورُوي أن عبد الله بن مسعود، لما أُمر بالمصاحف أن تُغيَّر وتُكتب على مصحف عثمان، ساءه ذلك وقال: أفأترك ما أخذتُ من فم رسول الله؟ لقد أخذت من فم رسول الله بضعاً وسبعين سورة، ولقد علم أصحاب النبي أني من أعلمهم بكتاب الله . فهذا يدل على أن تغيير المصاحف كان جسيماً جداً، فكأن الذي تولّى مسألة التغيير والتبديل أقل منه علماً، ولم يأخذ من الرسول قدر ما أخذ هو. وانقلبت المسألة إلى تفاخرٍ وتنافسٍ وحب رئاسة. ولو كانوا أخذوا منه السبعين سورة واعتمدوا على نقله لكان ذلك يرضيه، والظاهر أنهم لم يفعلوا ذلك. (المصاحف للساجستاني باب كراهية ابن مسعود لنسخ المصحف).

اختلافهم في عصر محمد: كان الاختلاف حاصلاً في عصر محمد ذاته، فروى البخاري ومسلم عن عمر بن الخطاب قال: سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله، فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله، فكدت أساوره في الصلاة. فتربّصت حتى سلّم، فلبَبْته بردائه فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأها؟ قال: أقرأنيها رسول الله. فقلت: كذبتَ، فإن رسول الله قد أقرأنيها على غير ما قرأتَ. فانطلقتُ به أقوده إلى رسول الله، فقلت: يا رسول الله، إني سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان على حروف لم تُقرئنيها. فقال رسول الله: إقرأ يا هشام. فقرأ عليه القراءة التي سمعتُه يقرأها. فقال رسول الله: هكذا أُنزلت. ثم قال النبي: إقرأ يا عمر، فقرأت بقراءتي التي أقرأني، فقال رسول الله: هكذا أُنزلت. إن هذا القرآن أُنزل على سبعة أحرف، فاقرأوا ما تيسّر منه (صحيح البخاري باب أُنزل القرآن على سبعة أحرف).

والذي نعلمه أن الحق واحد، ولا بد أن أحد هذين الشخصين كان مخطئاً، والآخر كان مصيباً. ولكن محمداً لم يرد أن يغضب واحداً ويُرضي آخر، فأرضى كليهما على حساب الحقيقة.

ولما رأى علماء المسلمين أن الساقط من القرآن شيء كثير، وأن هذا يخل به، اغتفروا عن السواقط بقولهم إنه يوجد من أنواع الناسخ ما نُسخت تلاوته دون حكمه. ولكن: ما الحكمة في رفع التلاوة مع بقاء الحكم؟ ولماذا لم تبقَ التلاوة ليجتمع العمل بحكمهما وثواب تلاوتهما؟ وأجاب صاحب الفنون بأن ذلك ليُظهر به مقدار طاعة هذه الأمة في المسارعة إلى بذل النفوس بطريق الظن من غير استفصال لطلب طريق مقطوع به بأيسر شيء . وهو أمر غريب، فإنه إذا كانت الأمة تنكص مع صراحة النصوص عن طاعة الأوامر واجتناب النواهي، فهل نتَصوَّر أنها تأتي بأعمالٍ لم يرد عنها نص؟ وهل يليق بعدل الله أن يدين الناس بحسب شريعةٍ مفقودة غير موجودة؟ فإذا كان الحاكم الأرضي الميَّال إلى الظُلم لا يؤاخِذ أمته بقوانين لا وجود لها، فكيف نتصوّر أن الديان العادل الحكيم العليم يؤاخذ الناس ويدينهم بحسب شريعة لا وجود لأقوالها، ويكلّفهم فوق وسعهم؟

ولكن لما رأى العلماء أنه لا يوجد شيء يغتفرون به عن السواقط القرآنية وعن المناقضات سوى الناسخ والمنسوخ، تستَّروا به، لأن السواقط والمناقضات كثيرة ومربكة وتحيّر العقول.

ضياع وحذف:

قال أبو عبيد: حدثنا إسماعيل بن ابراهيم عن أيوب عن نافع عن ابن عمر، قال: ليقولنّ أحدكم قد أخذت القرآن كله، وما يدريه ما كله؟ قد ذهب منه قرآن كثير. ولكن ليقل قد أخذت منه ما ظهر . وقال حدثنا ابن أبي مريم عن أبي لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت: كانت سورة الأحزاب تُقرأ في زمن النبي مائتي آية، فلما كتب عثمان المصاحف لم نقدر منها إلا ما هو الآن . وقال حدثنا اسماعيل بن جعفر (حذفنا الأسانيد) قال لي أُبيّ بن كعب: كأيِّنْ تُعد سورة الأحزاب؟ قلت: 72 آية أو 73 آية. قال: إن كانت لتعدل سورة البقرة، وإن كنا لنقرأ فيها آية الرجم. قلت: وما آية الرجم؟ قال إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتة نكالا من الله، والله عزيز حكيم (الإتقان باب الناسخ والمنسوخ و القرآن المجيد لدروزة).

ورد في الحديث: لقد أقرأنا رسول الله آية الرجم: الشيخ والشيخة فارجموهما البتة بما قضيا من اللذة. قال عمر: لولا أن تقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتها (يعني آية الرجم). وقال في البرهان: ظاهره أن كتابتها جائزة، وإنما منعه قول الناس .

حدَّث حجّاج عن ابن جريح قال: أخبرني ابن أبي حميد عن حميدة بنت أبي يونس، قالت: قرأ عليَّ أَبِي، وهو ابن ثمانين سنة، في مصحف عائشة: إن الله وملائكته يُصلّون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلّوا عليه وسلّموا تسليماً، وعلى الذين يصلّون الصفوف الأولى . قالت: قبل أن يغيّر عثمان المصاحف (الإتقان للسيوطي باب الناسخ والمنسوخ).

وحدث عبد الله بن صالح عن هشام وعن أبي واقد والليثي قال: كان رسول الله إذا أُوحي إليه أتيناه فعلَّمنا ما أُوحي إليه. فجئت ذات يوم فقال إن الله يقول: إنَّا أنزلنا المال لإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ولو أن لابن آدم وادياً لأحبّ أن يكون إليه الثاني، ولو كان له الثاني لأحب أن يكون إليهما الثالث، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب .

وأخرج الحاكم في المستدرك عن أبي بن كعب قال: قال لي رسول الله إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن، فقرأ: ألم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين ومِن بقيّتها: لو أن ابن آدم سأل وادياً من المال فأعطيه سأل ثانياً. وإن سأل ثانياً فأعطيه سأل ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب، وإن ذات الدين عند الله الحنيفية غير اليهودية ولا النصرانية، ومن يعمل خيراً فلن يكفره (الإتقان للسيوطي باب الناسخ والمنسوخ).

أين ذهبت هذه الآيات، وقد عهدنا حسب اصطلاحهم أن الآية تنسخ آية مثلها؟ فهل يجوز أن نأتي بآية وننسخ ما لا وجود له؟ فالشيء المعدوم لا يحتاج إلى نسخ، فإنه منسوخ من ذاته، فحينئذ يثبت ما قلناه، وهو أنه ضاع من القرآن شيء كثير. على أنه لا يجوز النسخ مطلقاً في كلام الله سبحانه.

ضياع سورة نحو التوبة:

قال أبو عبيدة: حدثنا الحجّاج (إلى أن قال) عن أبي موسى الأشعري قال: نزلت سورة نحو التوبة ثم رُفعت، وحُفظ منها أن الله سيؤيد هذا الدين بأقوامٍ لا خِلاق لهم. ولو أن لابن آدم واديين من مال لتمنَّى وادياً ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب (إتقان باب الناسخ والمنسوخ).

حذف أشياء كثيرة من القرآن:
(1) قال ابن أبي حاتم عن أبي موسى الأشعري: كنا نقرأ سورة نشبهها بإحدى المسبحات، نسيناها. غير أني حفظت منها: يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا ما لا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم، فتُسألون عنها يوم القيامة (إتقان باب الناسخ والمنسوخ).

(2) حدث الحجاج عن سعيد الحكم بن عتيبة عن عدي، قال: كنا نقرأ لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم . ثم قال لزيد بن ثابت: أكذلك؟ قال: نعم.

(3) ومن ذلك أيضاً أنهم رووا أنه أنزل: إن جاهدوا كما جاهدتم أول مرة . فإنّا لا نجدها. أُسقطت فيما أُسقط من القرآن.

(4) ورووا أيضاً (وقد حذفنا الأسانيد) إن مسلمة بن مخلد الأنصاري قال لهم ذات يوم: أخبروني بآيتين في القرآن لم يُكتبا في المصحف، فلم يخبروه. وعنفهم أبو الكنود سعد بن مالك. فقال مسلمة: إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، ألا أبشروا أنتم المفلحون. والذين آووهم ونصروهم وجادلوا عنهم الذين غضب الله عليهم أولئك لا تعلم نفس ما أُخفي لهم من قرّة عين جزاء بما كانوا يعلمون .

(5) ورد في الصحيحين عن أنس في قصة أصحاب بئر معونة الذين قتلوا قال أنس: ونزل فيهم القرآن قرأناه حتى رُفع: إن بلّغوا عنا قومنا إنّا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا .

(6) وفي المستدرك عن حذيفة قال ما تقرأون ربعها (يعني سورة التوبة).

(7) وكذلك شطبوا سورتي القنوت و الوتر وتسمّيان الخلع والحفد .

(8) ويقال إن علياً أسقط آية المتعة، وإنه سمع رجلاً يقرأها على عهده، فدعاه وضربه بالسوط، وأمر الناس ألا يقرأها أحد. وكان ذلك بعض ما شنَّعت به عليه عائشة فقالت: إنه يجلد على القرآن ويضرب عليه وينهى عنه، وقد بدّل وحرّف .

هذه هي أقوال علماء أهل السُنّة في قرآنهم ويمكن مراجعتها في كتبهم كالإتقان للسيوطي والبرهان للزراكشي وغيرهم.

أما الشيعة فلم يختلف موقفهم كثيراً. لقد أوردنا نص سورة النورين التي قيل إنها حُذفت من مصحف عثمان، وسنورد فيما يأتي بعض الآيات التي ادّعى الشيعة أن عثمان قد حرّفها، وهي أكثر من مئتي آية، نكتفي بذكر بعضها، وقد اعتمدنا في نقلها على كتب أئمة الشيعة، دون أي تعليق منا:

- 1 - إدّعاؤهم أن هناك سورة اسمها سورة الولاية حذفها الصحابة من المصحف، وهاك نصّها:

يا أيها الرسول بلّغ إنذاري فسوف يعلمون.

قد خسر الذين كانوا عن آياتي وحكمي مُعرِضون.

مثل الذين يوفون بعهدك إني جزيتهم جنّات النعيم.

إن الله لذو مغفرةٍ وأجرٍ عظيم. وإن علياً لمن المتّقين.

وإنّا لنوفيه حقه يوم الدين.

ما نحن عن ظلمه بغافلين، وكرّمناه على أهلك أجمعين.

فإنه وذريته الصابرون.

وإن عدوَّهم إمام المجرمين.

قل للذين كفروا بعد ما آمنوا أَطَلبْتُم زينة الحياة الدنيا واستعجلتم بها ونسيتم ما وعدكم الله ورسوله ونقضتم العهود من بعد توكيدها.

وقد ضربنا لكم الأمثال لعلكم تهتدون.

يا أيها الرسول قد أنزلنا إليك آيات بيّنات.

فيها من يتوفاه الله مؤمناً ومن يتوله من بعدك يظهرون.

فأعرض عنهم إنهم مُعرضون.

إنّا لهم مُحضرون في يوم لا يغني عنهم شيء ولا هم يرحمون.

إن لهم في جهنم مقاماً عنه لا يعدلون.

فسبّح باسم ربك العظيم وكن من الساجدين.

ولقد أرسلنا موسى وهارون بما استخلف فبغوا هارون.

فصبر جميل.

فجعلنا منهم القردة والخنازير ولعنَّاهم إلى يوم يُبعثون.

فاصبر فسوف يُنصرون.

ولقد آتينا بك الحكم كالذين من قبلك من المرسلين.

وجعلنا لك منهم وصياً لعلهم يرجعون.

ومن يتول عن أمري فإني مُرجعه فليتمتعوا بكفرهم قليلاً.

فلا تُسئل عن الناكثين.

يا أيها الرسول قد جعلنا لك في أعناق الذين آمنوا عهداً فخُذْه وكن من الشاكرين.

إن علينا قانتاً بالليل ساجداً يحذر الآخرة ويرجو ثواب ربه.

قل هل يستوي الذين ظلموا وهم بعذابي يعلمون.

سيجعل الأغلال في أعناقهم وهم على أعمالهم يندمون.

إنّا بشّرناك بذريته الصالحين.

وإنهم لأمرنا لا يخلفون.

فعليهم منّي صلوات ورحمة أحياءاً وأمواتاً يوم يُبعثون.

وعلى الذين يبغون عليهم من بعدك غضبي إنهم قوم سوء خاسرون.

وعلى الذين سلكوا مسلكهم منّي رحمة وهم في الغرفات آمنون.

والحمد لله رب العالمين

( فصل الخطاب للنوري ص 110).

- 2 - إبراهيم القمي عن حماد عن حريز عن أبي عبد الله أنه قرأ الفاتحة: اهدنا الصراط المستقيم، صراط من أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم، وغير الضالين .

وذكر الطبرسي: وقرأ: غير الضالين عمر بن الخطاب (تفسير القمي 1 29).

- 3 - عن جابر عن أبي جعفر قال: نزل جبرئيل بهذه الآية على محمد هكذا: “وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَّزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ; (البقرة 2: 23) ((الكافي 2 - 381).

- 4 - عن أبي جعفر قال: نزل جبرئيل عليه السلام بهذه الآية على محمد هكذا: فبدّل الذين ظلمواآل محمد حقهم قولاً غير الذي قيل لهم، فأنزلنا على الذين ظلموا آل محمد حقهم رجزاً من السماء بما كانوا يفسقون (البقرة 2: 59) (تفسير القمي 1 - 48).

- 5 - عن إسحاق بن إسماعيل عن أبي عبد الله قال: فما جزاء من يفعل ذلك منكم ومن غيركم إلا خزيٌ في الحياة الدنيا (البقرة 2: 85) (فصل الخطاب 213)

- 6 - عن جابر عن أبي جعفر قال: نزل جبرئيل هكذا: بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله في عليٍّ بغياً (البقرة 2: 90) (فصل الخطاب الكافي 2 - 380).

- 7 - عن جابر الجعفي عن أبي عبد الله في قوله عز وجل: وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله في عليّ قالوا نؤمن بما أنزل علينا (البقرة 2: 91) (فصل الخطاب 205).

- 8 - عن عمر بن يزيد قال: سألت أبا عبد الله عن قوله تعالى: ما ننسخ من آية نُنْسها نأت بخير منها أو مثلها (البقرة 2: 106) فقال: كذبوا ما هكذا هي نزلت إذا كان ننسخها ويأت بمثلها لم ينسخها؟ قلت: هكذا قال الله. قال: ليس هكذا قال الله. قلت: كيف؟ قال: ليس فيها ألف ولا واو (أي أو) وقال: ما ننسخ من آية ننسها نأت بخير منها مثلها (تفسير القمي 1 - 58).

- 9 - “وجَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ; (البقرة 2: 143) (فصل الخطاب 213).

- 10 - عن أبي عبد الله: إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البيّنات والهدى في عليّ (البقرة 2: 159) (فصل الخطاب 207).

- 11 - عن أبي بكر بن محمد قال: سمعت أبا عبد الله يقرأ: وزُلزلوا ثم زُلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا متى نصر الله (البقرة 2: 214) (فصل الخطاب 207).

- 12 - عن ابن سنان عن أبي عبد الله أنه قرأ: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين (البقرة 2: 238) (فصل الخطاب 207).