تعليقات على الحديث المحمدي
سلسلة الهداية
مقدمة
الجزء الأول:
تعريف بالحديث
ما هي السُّنة؟
السّنة هي المصدر الثاني للتشريع في الإسلام، وهي التي تبيِّن كل مُبهَم في القرآن، وتوضِّح المعاملات والعبادات. والسنّة والحديث حسب الرأي السائد عند المُحَدّثين، وخاصة بين المعاصرين منهم، مترادفان متساويان، يوضع أحدهما مكان الآخر. ففي كل منهما إضافة قول أو فعل أو تقرير أو صفة إلى النبي محمد غير أن الدراسة التاريخية لجذور هذين اللفظين تثبت أن السنة كانت تُطلق على الطريقة الدينية التي كان النبي محمد يسلكها في سيرته، لأن معنى السنة لغة الطريقة. وهي ترادف السيرة أيضاً مِما يُبين من استعمالها معها مثل: وكان من سنة عمر وسيرته أن يأخذ العمال بموافاة الحج في كل سنة, فإذا كان الحديث عاماً يشمل قول محمد وفعله، فالسنة خاصة بأعمال محمد. وفي ضوء هذا التباين في المصطلح يمكن أن ندرك قول المُحَدّثين: هذا الحديث مخالف للقياس والإجماع والسنة أو قولهم: إمام في الحديث، وإمام في السنة.
وفي أول الأمر عندما عبر الإسلام عن الطريقة بالسنة لم يفاجئ العرب، فقد عرفوها بهذا المعنى، وكان بوسعهم أن يستوعبوا هذا المعنى حتى عند إضافته لله، مثل قولهم: سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ (سورة الأحزاب 33: 62). وقد سُميت المدينة دار السنة لحرص أهلها على تقليد محمد
وتنقسم السنة إلى أنواع هي:
أ - القوليَّة: وهي ما قاله النبي وثبَت عنه، من خلال رُواةٍ موثوق بهم عند علماء المسلمين. مثل قول النبي: "أُمِرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول"
ب - الفعلية:> والسنة الفعلية تشكل أهم جزء من أجزاء السنة قاطبة، إذ عليها تعتمد العبادات المفروضة في الإسلام مثل الصلاة والصيام والزكاة, وأما الصلاة على سبيل المثال فالقرآن لا يخبرنا إلا بصلاة الصبح والعشاء بينما الأوقات الأخرى للصلاة وطريقة أدائها تؤخذ من الأحاديث فقط, والسنة الفعلية هي ما رواه أصحاب محمد من أفعاله كصفة وضوئه وصلاته إلخ,
ج - التقريرية: وهي ما كان موجوداً قبل الإسلام وأقرَّه النبي كإقراره اللعب بالحِراب، وغناء الجاريتين، وأكل لحم الضبّ، أو ما فعله بعض الصحابة ورآهم النبي يفعلونه، وأقرَّه؟ ", أما أهم جزء في سنّة النبي فهو أقواله أو ما يُطلق عليه الأحاديث. وأحياناً يُطلق لفظ حديث على السّنة جميعاً.
ما هي الأحاديث؟
يُراد بالحديث ما رواه الصحابيُّ من الكلام المتّصل بعضه ببعض ولو كان جُملاً كثيرة، كحديث بدء الوحي، وحادثة الإفك. وقد يكون الحديث من جملة واحدة أو اثنتين.
ولقد ورد الحديث في القرآن بعدة معان منها:
1 - بمعنى
رسالة دينية:
2 - بمعنى قصة عامة أو دنيوية: وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ (سورة الأنعام 6: 68).
3 - بمعنى قصة تاريخية:
4 - بمعنى حوار جارٍ: وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً (سورة التحريم 66: 3)
أما في الأحاديث المروية عن محمد فإن لفظة الحديث وردت فيها أيضاً على الوجوه الأربعة كما هو الحال في القرآن نفسه:
1 - بمعنى
رسالة دينية:
2 - بمعنى قصة عامة أو دنيوية: ومن استمع لحديث قوم وهم له كارهون، أو يفرون منه صب في أذنيه الأنك.
3 - بمعنى قصة تاريخية:
4 - بمعنى حوار جارٍ: إذا حُدِّث الرجل حديثاً ثم التفت فهي أمانة.
والحديث الصحيح أنواع، منه ما تلقّاه المسلمون بالقبول فعملوا به، ومنه ما تلقاه المحدثون بالقبول والتصديق وأجمعوا على صحته. مثل أحاديث البخاري وبالرغم من ذلك، فهناك علماء نازعوا البخاري ومسلم في بعض أحاديثهما، كحديث مسلم في خلق السماء والأرض أنكره عليه البخاري ويحيى بن مَعِين. ومثل حديث البخاري عن النبي أنه قال عن الحسن:
إن ابني هذا سيد، وسيُصلِح الله به فئتين عظيمتين من المسلمين أنكره عليه أبو الوليد الباجي.
ويتكوّن كل حديث من عنصرين:
(ا) الإسناد، ويحوي أسماء رواة الحديث.
(ب) المتن، وهو النص عن محمد أو أحد أصحابه. وفيما يلي نقدم حديثاً نموذجياً: حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا شعبة قال: أخبرني منصور، قال: سمعت ربعي بن حراش يقول: سمعت عليا يقول: قال النبي: لا تكذبوا عليّ فإن من كذب عليّ فليلج النار,
ويتضح من هذا المثال أن صحة الحديث في الإسلام تتوقف على سلسلة الرواية وأمزجة الرواة فيها. وعلى المحدث أن يأخذ الإسناد بالدراسة والتدقيق ليعرف إن كان الرواة يتصلون بعضهم ببعض أو لا، وإذا كانوا معتبَرين ممن يوثَق بهم. وتُسمَّى المادة التي تعالج هذا الموضوع في علم الحديث الجرح والتعديل.
أما فيما يتعلق بالمواضيع التي تعالج في الأحاديث المروية عن محمد فقسمٌ كبير منها يتناول ما يُسمى بالأحكام والمعاملات، ويفسر ما هو الحلال والحرام، ويصف قواعد الطهارة والصلاة والصوم والزكاة والصدقة والحج وأمور البر والأدب. كما توجد في مصنفات الحديث أبواب تتناول العقيدة والجهاد ومشاهد القيامة وما إلى ذلك من الجنة والنار والملائكة والوحي والأنبياء والرسل السابقين، وكل ما يمكن أن يخطر على بال في العلاقة بين الله والعباد.
ويلعب الحديث في مجال التشريع الإسلامي دوراً هاماً جداً، إذ يرى بعض العلماء جواز نسخ آية قرآنية سابقة بحديث متأخّر يناقضها.
بما أن الحديث الذي حظي في وقت مبكر بمكانة عليا، تم تدوينه بعد وفاة محمد بما يقرب من 24 سنة، بعد ما تنوقل شفاهاً، فلا يمكننا البت في صحة ما وصل إلينا تحت هذا العنوان. يُروى عن أبي حنيفة أنه لم يعترف إلا بصحة 17 حديثاً., ويقول أبو داود (888م) صاحب السنن في مقدمة تصنيفه إنه اختار من بين نصف مليون حديث 48 حديثاً موثوقاً به فقط, ولا يمكن النظر إلى معظم الروايات في كتب الحديث كآثار تاريخية وموثوق بها عن حياة محمد وسيرته، فكثيراً ما نصادف في تلك الروايات ميول وقناعات الأجيال الناشئة بعد محمد، وقد صيغت في كلام نبي الإسلام. فإذا رأينا محمداً يدين بالمذهب القدَري، وفي الوقت نفسه يحذّر المسلمين مِن اتّباع نهج القدريين لا يصعب علينا الحسم في ضعف الحديث، إذ لم يكن هذا المذهب معروفاً في أيام محمد.
وإليك عدد مصنَّفات الحديث المعترف بها عند أهل السنة، وهي ستة، وكلها دُوِّنت في القرن الثالث بعد هجرة محمد من مكة إلى المدينة:
1 - صحيح البخاري (870 م)
2 - صحيح مسلم (875 م)
3 - سنن أبي داود (888)
4 - سنن الترمذي (895)
5 - سنن النَّسائي (915)
>
6 - سنن ابن ماجه (886).
>
وتُسمى هذه المجموعات الست أيضاً: الكتب الستة وتُعتبر من حيث الأهمية في المرتبة الثانية بعد القرآن.
وقد دوَّنت الشيعة مصنفاتها الخاصة للحديث لشكِّها في كل رواية في المصادر السُّنية ورد في إسنادها من لم ينتمِ إلى شيعة علي. وأهم مجموعة للحديث عند الشيعة هي أصول الكافي أو الكافي في أصول الدين للعلامة الكليني (941م). وتحتوي هذه المجموعة على 16199 حديثاً، أي تقارب مجموع الاحاديث الواردة في الكتب الستة, كما أن لأهل السنة الكتب الستة ، تتمسك الشيعة بكتبها الأربعة وهي: الكافي في أصول الدين و من لا يحضره الفقيه لأبي جعفر القمى 381 هـ 991 م, يوجد خلاف في عدد الأحاديث الواردة في هذا الكتاب، ويتراوح الرقم بين و9, أما الكتابان الآخران فهما تهذيب الاحكام و الاستبصار في ما اختلف من الاخبار لأبي جعفر الطوسي (46 هـ 1 67 م)، ويقال إنهما يحويان ما يقارب 18 حديثاً,
3 - أشهر من جمع الأحاديث
(من المجموعات الستّ)
أول من قام بجمع الأحاديث (بشكل فعلي) هو الإمام البخاري، حوالي عام 25 هـ (865م). وجمع في كتابه حوالي 7398 حديثاً بدون المكرر. إلا أن هذه العبارة يندرج تحتها عندهم آثار الصحابة والتابعين، وربما عُدَّ الحديث الواحد المروي بإسنادين, يقول أحمد أمين: فإذا أضيفت إليه المعلقات والمتابعات والموقوفات والمقطوعات بلغت 9 82 وإذا اقتصر على عد الأحاديث الموصلة السند غير المكررة كانت 2862 حديثاً - وهناك من يقول إن صحيحه يحوي 262 حديثاً بغير المكرر, وقد جمعها من نحو ستمائة ألف حديث. وبعده تلميذه مسلم ، الذي جمع في صحيحه حوالي إثني عشر ألف حديث بالمكرر.
ويعتبر بعض العلماء أن الموطأ والمسند قد جُمعا قبل البخاري ، ولكننا هنا نتحدث عن أول مَن جمع الحديث من الستة المعتمَدين عند جميع المسلمين.
وأشهر الكتب عند المسلمين هما الصحيحان للبخاري ومسلم ، ثم سنن أبي داود وسنن ابن وسنن الترمذي والنَّسائي
1 - البخاري:> هو محمد بن إسماعيل البخاري، وُلد ببخارَى سنة 194ه (81 م), بدأ في تصنيف وتقسيم أبواب كتابه الصحيح بمكة، ولبث في تصنيفه ست عشرة سنة بالبصرة وغيرها حتى أتمَّه في بخارى موطنه. ومات سنة 256ه (87 م). نسب إليه قوله أنه خرّج جامعه من ست مائة ألف حديث (وفيات الأعيان، 4: 19 ),
ورغم ما تعرض له من هجمات عنيفة وانتقادات شديدة فقد نال صحيح البخاري المرتبة الثانية بعد القرآن وذلك بإجماع الأمة, فيقول الخطيب البغدادي مثلاً بمناسبة حديث أورده البخاري موصولاً في ثلاثة مواضع بأن البخاري يروي جزءاً من حديث الإفك عن أم عائشة وأم رومان عن طريق مسروق فهذا وهم (أي غلط) لأن مسروقاً لم يسمع عن أم رومان، فهي توفيت أيام النبي ومسروق في السادسة من عمره وخفي على البخاري, وأما مسلم فتفطن إلى ذلك فأبى نقله,
2 - مُسلِم:< هو مسلم بن الحجّاج القشيري، ولد بنيسابور سنة 2 6ه (821 م)، وتوفي سنة 261ه (875 م)، وقد فاق البخاري في جمع طرق الرواية وحُسن الترتيب.
قال الذهبي عن أبي عمر وحمدان: سألت ابن عقدة أيهما أحفظ، البخاري أو مسلم؟ فقال: كانا عالمَيْن. فأعدْتُ عليه السؤال مراراً فقال: يقع للبخاري الغلط في أهل الشام، لأنه أخذ كتبهم ونظر فيها، فربما ذكر الرجل بكنيته، ويذكره في موضع آخر باسمه، يظنهما اثنين. أما مسلم فقلَّما يوجد له غلط في العلل. جاء في مقدمة مسلم لصحيحه أنه جمع مصنفه من بين ر3 حديثاً، وروي أن كتابه يحوي أربعة آلاف حديث دون المكرر، وبالمكرر 7275 حديثاً, قال إنه ألف كتابه هذا من ثلثمائة حديث سمعها,
3 - أبو داود: هو أبو داود سليمان بن الأشعث السِّجستاني ولد سنة 2 2هـ (817 م) ومات بالبصرة سنة 275ه (889م),
قال الخطابي: لم يصنف في علم الحديث مثل سنن أبي داود، وهو أحسن وضعاً وأكثر فقهاً من الصحيحين. وقال ابن كثير في مختصر علوم الحديث : إن الروايات لسُنن أبي داود كثيرة، يوجد في بعضها ما ليس في الآخَر. كما ذكرنا أعلاه أنه جمع 48 حديثاً من بين ر5 حديثاً كتبت عن النبي,
4 - الترمذي: هو أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي، وُلد سنة 2 9ه بترمذ وتوفي بها سنة 279ه (892 م). يتكون جامع الصحيح للترمذي حسب طبعة شاكر من 3956 حديثاً وتوجد في شرح الأحوذي 4 51 حديثاً,
وقال ابن الأثير : في سُنن الترمذي ما ليس في غيرها من ذكر المذاهب ووجوه الاستدلال وتبيين أنواع الحديث الصحيح والحسن والغريب. وتتلمذ الترمذي على يد البخاري وأبي داود أبي داود.
5 - النَّسائي: هو أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي. وُلد في نسا من نيسابور سنة 215هـ 83 م وتُوفي في مكة سنة 3 3هـ (91 م). لقد قيل إن النسائي أحفظ من مسلم وإن سننه أقل السنن ضعفاً,
قال الذهبي: سُئِلَ النسائي بدمشق عن فضائل معاوية، فقال: ألا يرضيه رأساً برأس حتى نفضّله. فنُفي إلى مكة وقيل الرملة.
أما كتابه المعروف بالمجتبى ففيه صعوبة في اتصال السماع والقراءة. قال أبو جعفر بن : من قال قرأت أو سمعت كتاب النسائي، ولم يبين الرواية التي سمع أو قرأ، فقد تجوَّز في الذي ذكره تجوُّزاً قادحاً في الرواية.
6 - ابن ماجه: هو أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه، وُلد سنة 2 9هـ (824 م). قال ابن الجوزي تعليقاً على كتاب ابن ماجة السنن : إن فيه نحو ثلاثين حديثاً موضوعاً، وقد اشتهر بضعف رجاله. وتُوفي ابن ماجه سنة 273هـ (886م). تتكون سنن ابن ماجه من 4341 حديثاً,
7 - الإمام مالك: وهناك أيضاً الأحاديث التي جمعها الإمام مالك، وهو أبو عبد الله مالك بن أنس وُلد سنة 95 هـ 713 م بالمدينة وتوفي سنة 179 هـ 795 بها أيضاً, يعتبر مؤلفه الموطأ من أول ما دوّن من مجموعات الحديث, قيل إن مالكاً روى مائة ألف حديث، جمع منها في الموطأ عشرة آلاف، ثم اختار منها 172 حديثاً5 ",,
كيف جُمعت الأحاديث؟
مما تقدم في تراجم جامعي الأحاديث نرى أنهم لم يبدأوا في جمع الأحاديث إلا حوالي عام 25 هـ ، أي بعد وفاة محمد بنحو 24 سنة. وهذه الفترة هي التي حفلت بظهور الأحاديث في فضائل بني أمية أو ذمّهم، وكذلك فضائل بني العباس، وأيضاً ظهرت فيها أكثر الطوائف الإسلامية كالخوارج والشيعة والمرجئة وغيرهم. والذي يراجع كتب أهل الحديث يرى أن معظم الموجودين في هذه الفترة الزمنية ضعاف عند أغلب أهل الحديث. بالإضافة إلى المنافع الشخصية التي تعود على من يضع الحديث، خاصة أثناء خلافة بني أمية. أبرز مثال لهذه الظاهرة هو سيرة النسائي صاحب السنن، فبعدما عاد النسائي سنة 3 2 (914) من مصر، طلب منه الناس في الشام أن يروي لهم احاديث في فضل معاوية على علي, ولما رفض النسائي الرواية في فضل معاوية تعرض لضرب شديد في المسجد وتوفي من جراء ذلك في طريق مكة سنة 3 3 (915),, ويقول في ذلك محمد بن اسحاق الأصبهاني: سمعت مشايخنا بمصر يقولون إن أبا عبد الرحمن فارق مصر في آخر عمره وخرج إلى دمشق، فسئل عن معاوية وما روى من فضائله فقال: أما يرضى معاوية أن يخرج رأساً برأس حتى يفضل؟ وفي رواية أخرى ما أعرف عنه فضيلة إلا لا أشبع الله بطنك 5,وكان يتشيع فما زالوا يدفعون في حضنه حتى أخرجوه من المسجد، ثم حُمل إلى الرملة فمات بها, والقارئ لكتب الحديث يرى أن أشهر الرواة طُعنوا بالضعف أو بالكذب كالسُّدي وقتادة وسُفيان الثوري، وكذلك أشهر جامعي الحديث طُعنوا بالتدليس على اختلاف مستوياته، كالبخاري ومسلم ومالك بن أنس وغيرهم,
5 -التدليس وأنواعه
التدليس لغةً هو كتمان عيب في شيء ما حتى لا يعلمه المستفيد من هذا الشيء. والتدليس عند علماء الحديث هو أن لا يسمِّي الراوي من حدَّثه، أو أن يوهِم أنه سمع الحديث ممن لم يسمعه منه. وقد اشتُقّ من الدَّلَس، وهو اختلاط الظلام بالنور,وينقسم التدليس في اصطلاح المحدثين إلى ثلاثة أقسام: (أ) تدليس الإسناد، و(ب) تدليس الشيوخ، و(ج) تدليس التسوية.
أ - تدليس الإسناد: تدليس الإسناد هو أول أنواع التدليس، وهو أن يُسقِط الراوي اسم شيخه الذي سمع منه إلى من يليه بلفظٍ لا يقتضي الاتّصال، كقوله عن فلان أو قال فلان. أو أن يروي عمَّن لقيه وسمع منه مالم يسمع، ولا يذكر ذلك.
قال البزَّاز : إن كان يدلس عن الثقات فتدليسه مقبول عند أهل العلم.
أما شُعبة وأكثر العلماء فقد بالغوا في ذمِّه. فروى الشافعي عن شُعبة قال: التدليس أخو الكذب. وقال: لَأَنْ أزني أحبُّ إليَّ من أن أُدلس.
وكان الشافعي يردُّ مطلقاً من عُرف عنه التدليس في الإسناد ولو مرة واحدة. ولكن أكثر العلماء اتفقوا على أن الراوي الذي نُسب إليه التدليس، يُقبل من روايته ما صرح فيه بلفظ السماع، ويرد ما كانت عبارته محتملة مبهمة,
وأشهر من عُرف عنه تدليس الإسناد الأصبهاني أصبهاني صاحب حلية الأولياء وزيد بن أسلم العمري بن أسلم العمري ، والدارقطني صاحب السنن والبخاري وأبو داود وسفيان الثوري ، والإمام مسلم جامع الصحيح.
ب - تدليس الشيوخ: وهو أن يصرّح الراوي باسم المروي عنه باسمٍ أو كنية لم يُعرف بها لضعفه، كقول أبي بكر بن مجاهد أبي بكر بن مجاهد أحد أئمة القراء: حدَّثنا عبد الله بن أبي عبد الله يريد به عبد الله بن أبي داود السّجِستاني، وفي هذا تضييع للمروي عنه.
ويرى ابن الصلاح ابن الصلاح أن الخطيب البغدادي كان لهجاً بهذا القسم في مصنفاته, وينقل عنه بعض الأمثلة في ذلك منها أن الخطيب البغدادي كان يروي في كتبه عن أبي القاسم الأزهري، وعن عبيد الله بن أبي الفتح القاسمي، وعن عبيد الله بن أحمد بن عثمان الصيرفي، والجميع شخص واحد من مشايخه.
ويعلق الدكتور صبحي الصالح: نحن في الواقع نجلّ الخطيب البغدادي عن أن يكون قصده تعمية أمر واحد من هؤلاء الشيوخ. ولكننا لا نكتم استغرابنا من ذكره هذه الأسماء التي يصعب معها معرفة الشيخ، مع أنها لشخص واحد، وهو يعلم أنها لشخص واحد. وإن كثيرين لا يفطنون لذلك,
ومن أمثلة من كانوا يدلسون من الشيوخ: مروان بن ، ومجاهد ، ومحمد بن إسحاق بن اسحاق ، وقتادة
ج - تدليس التسوية: وهو أن يروي المُحَدِّث حديثاً عن ثقة، (أي عن راوٍ موثوق به) عن ضعيف، عن ثقة. فيُسقِط المُدلس الضعيف الذي في السند فيجعل الحديث عن ثقة عن ثقة، فيستوي بذلك الإسناد، كله ثقات.
وهذا النوع هو أشرّ أقسام التدليس، لأن الثقة الأول لا يكون معروفاً بالتدليس، ويجده الواقف على السند كذلك (بعد التسوية) قد رواه عن ثقةٍ آخَر، فيحكم للحديث بالصحة.
وقد اشتهر بهذا النوع من الحديث بعض أكبر أئمة الحديث، مثل مالك بن أنس صاحب الموطأ وأبي إسحاق أبو اسحاق ، والوليد بن مسلم.
وكان بعض المدلسين من أئمة الحديث يجدون في التدليس متعة نفسية، فلا تحلو لهم الدعابة إلا بهذا الضرب من الرواية المبهمة يخوضون فيه متساهلين، ثم يندمون ويتوبون. قيل
لهيثم بن بشير: ما يحملك على التدليس؟ فأجاب: إنه أشهى شهي!,
ولم يكن هيثم بن بشير هو الوحيد في هذا الفن، فقد اعترف علماء الحديث بوقوع التدليس من أشهر أئمة الحديث مثل: ابن عُيينة ابن عُيينة والأعمش أعمش وقتادة والحسن البصري الحسن البصري وعبد الرزاق والوليدبن مسلم. والغريب في الأمر وصف علماء الحديث لهيثم بن بشير وابن عُيينة ابن عُيينة بالأمانة والحفظ والضبط.. والأغرب أنهم يبررون هذه الظاهرة بقولهم: فما أقل الذين سلموا من التدليس, حتى ابن عباس لم يسمع من محمد إلا أحاديث يسيرة. قال بعضهم أربعة وبقية أحاديثه سمعاً من الصحابة عن محمد. ولكننا نجده لا يكاد يذكر أحداً بينه وبين محمد فيقول: قال رسول الله,
6 -أنواع الأحاديث
قسم أهل العلم الأحاديث إلى بضع وثلاثين نوعاً، سنورد بعضها مع التعريف بها:
1 - الصحيح: >هو الحديث المسنَد الذي يتّصل إسناده بنقل ثقةٍ عن ثقة إلى مُنتهاه، ولا يكون شاذاً ولا معلّلاً6 ",,
والأحاديث الصحيحة توجب العمل بها باتفاق الأئمة، فقد اتفق أهل العلم بالحديث على أن أصح الأحاديث عن رسول الله هي ما رواه أهل المدينة، ثم أهل البصرة، ثم أهل الشام. وقال الخطيب البغدادي : أصح طرق السنن ما يرويه أهل الحرمين مكة والمدينة، فإن التدليس عندهم قليل. والعجيب في الأمر أن الخطيب البغدادي نفسه كان ممن اشتهروا بالتدليس. وأما أهل الحرمين فيكفي فيهم ما ذكرناه سلفاً عن ابن عباس وهو من كبار الأئمة. وقد اعترف علماء الحديث بأن الصحيح لا يجب أن يفيد دائماً الصحة: إذ يقول بعضهم أصح شيء في الباب كذا، فلا يلزم من هذا التعبير صحة الحديث,فإنهم يقولون وإن كان الحديث ضعيفاً، ومرادهم أرجح ما في الباب أو أوله ضعفاً,
2 - المسنَد:> هو ما اتصل إسناده إلى الرسول، وقال الخطيب: هو ما اتّصل إلى نهايته. وقال ابن عبد البر ابن عبد البر : هو المروي عن الرسول سواء كان متصلاً أو منقطعاً.
3 - الحسَن:< وهو الذي سنده ثقات، ولكن فيه ضعف محتمل مثل قلة الضبط، ويُحتجّ به عند أهل الحديث,
4 - الضعيف:< وهو ما لم تجتمع فيه صفات الصحيح6,ولا صفات الحسن. ويُقسم الضعيف إلى أنواع حسب مواطن ضعفه، فمنه الموضوع، والمقلوب، والشاذ، والمعلّل، والمضطرب، والمرسَل، والمعضِل.
5 - المتّصل أو
الموصول:
6 - المرفوع:> هو ما أُضيف للنبي من قولٍ أو فعل، سواء كان متصلاً أو منقطعاً.
7 - الموقوف:> وهو الذي يُروى عن الصحابة من حيث قولهم وفعلهم.
8 - المقطوع:> وهو الموقوف على التابعين قولاً وفعلاً، ويكون غير منقطع الإسناد.
9 - المرسَل:> وهو أن يُروى عن أحد التابعين الذين لم يعاصروا النبي، ولكن عاصر بعض الصحابة، فيقول: قال النبي مرسِلاً كلامه للنبي مسقِطاً مَن سمع منه مِن الصحابة,
1 - المنقطع:> وهو أن يُسقَط من الإسناد رجل، أو يُذكر فيه رجل مجهول. وقيل هو كل ما لا يتصل إسناده، مثل المرسل. غير أن المرسَل هو ما يُطلق على ما رواه التابعي عن النبي,
11 - المعضِل:> وهو ما سقط من إسناده اثنان فصاعداً. ومنه ما يرسله تابع التابعي,
12 - المدلس:< وهو قسمان أحدهما: أن يروي عمن لقيه ما لم يسمعه منه، أو عمن عاصره ولم يلقه، مُوهماً أنه سمعه منه، كأن يقول قال فلان أو عن فلان. وقد رُويت في الصحيحين أحاديث من هذا النوع مثل أحاديث سفيان الثوري وسفيان بن عُيينة والأعمش وقتادة. والثاني هو ذكر اسم الشيخ أو كنيته على خلاف المشهور، تعميةً لأمره وتصعيباً للوقوف على حاله.
13 - الشاذ
14 - المنكر:< وهو مثل الشاذ، غير أن راويته فيها ضعف، فهو منكر مردود لا يُحتج به,
15 - المتابعات
والشواهد:
16 - الإفراد : وهو أن ينفرد به الراوي عن شيخه كالشاذ، أو ينفرد به أهل القطر، كانفراد أهل العراق بحديث تحليل النبيذ في حجة الوداع، وهو ما نقله ابن عبد البر ابن عبد البر في العقد الفريد,
17 - زيادة الثقة: وهو أن يزيد أحد الثقات في نص الحديث جملة أو أكثر.
18 - المعلل:< وهو أن تجمع طرق الحديث وينظر في رواته، فيقع في نفس العالِم العارِف بالحديث أن الحديث معلول، فيحكم بعدم صحته,
19 - المضطرب:> وهو أن يختلف الرواة في شخصٍ بعينه في الإسناد، أو في جملة بعينها في المتن، مثل حديث غدير خم في ولاية علي بن أبي طالب ، وهو ما تحتج به طوائف الشيعة، ومثل أحاديث زواج المتعة في كل كتب الحديث.
2 - المدرَج:> وهو أن تُزاد لفظة أو جملة في نصّ الحديث من كلام الراوي فيحسبها السامع مِن نصّ الحديث فيرويها كذلك. وقد وقع هذا كثيراً في الصحاح والمسانيد وكتب السنن.
21 - الموضوع:> ولذلك شواهد كثيرة، منها إقرار واضعه، أو ركاكة ألفاظه، أو فساد معناه، مخالفة لما أتى في القرآن والسنة الصحيحة، وهو أن يباين المنقول، أو يخالف المعقول، أو يناقض الأصول (وسوف نتكلم عن هذه الموضوعات بالتفصيل في فصل لاحق).
22 - المقلوب:> وهو أن يوضع إسناد حديث على نص حديث آخر، وقد يكون في الإسناد كله أو بعضه,
7 - الأحاديث الموضوعة
أحياناً نتعجب من المسلمين حين نسألهم: ألم يقُل نبيُّكم كذا؟ فيكون الرد أنه موضوع مُختَلَق. فهل بهذه البساطة ينكرون كلام نبيّهم؟ ووجدت جواب ذلك في أنه من كثرة ما طُعن في رواة الحديث أصبحت معظم الأحاديث تحتمل الصحة والغلط في وقت واحد! فالراوي الذي يكذّبه البخاري يوثّقه النَّسائي، والذي يقبله الشيعة تنكره أهل السُنة، حتى وصل الأمر إلى إنكار معظم الأحاديث.
والذي ينظر إلى ما كُتب في الأحاديث الموضوعة يرى كثرتها وشهرتها، ويكفي أن تعرف أن النسائي في كتابه الضعفاء والمتروكون ذكر أكثر من ستمائة اسم بين وضاع وضعيف ومتروك ومُغْفَل.
وذكر أهل الحديث أسماء مشاهير الرواة، واتهموهم بوضع الحديث كأبي الحامد الغزالي، وعبد القادر الجيلاني ، وأبي طالب المكي (وهم من الصوفية) والسُّدي وأبي إسحاق وقتادة ومجاهد. بل وصل الأمر في عهد الصحابة إلى قيام عمر بن الخطاب بضرب أبي هريرة بدُرَّته ليمنعه عن كثرة رواية الحديث, ومما يُذكر في الكتب من وضع عبد الله بن سلام وكعب الأحبار ووهب بن منبه للحديث كثير.
وجاء في بعض الكتب أن هناك 14 ألف حديث وُضعت على النبي، تُحلل الحرام وتُحرِّم الحلال، والذي ساعد على ذلك أن محمداً أمر بألاّ يُكتب عنه غير القرآن، فقال: لا تكتبوا عني غير القرآن. فكانت الأحاديث تُحفظ ويُزاد فيها أو يُنقص منها حسب الهوى، فقد كانت فِرَق الرافضة والخوارج والشيعة إذا اجتمعوا على رأيٍ استحسنوه جعلوه حديثاً وهناك أسباب عديدة أدَّت إلى وضع الحديث، أهمها الأسباب السياسية والعقائدية. فقد حاول كثيرون الترويج لمذهبهم أو تبرير سلطتهم من خلال الأحاديث التي تُروى عن محمد ، وهناك الكثير من الأمثلة على ذلك منها: قيل لمأمون بن أحمد الهراوي : ألا ترى إلى الشافعي ومن تبعه بخراسان؟ فقال: حدثنا أحمد بن عبد الله. حدثنا عبد الله بن معدان الأزدي عن أنس مرفوعاً: يكون في أمتي رجل يُقال له محمد بن إدريس - الشافعي - أضرّ على أمتي من إبليس. ويكون في أمتي رجل يقال له أبو حنيفة أبو حنيفة ، يكون في أمتي رجل اسمه النعمان (أبو حنيفة) مروياً عن أبي هريرة (!), هو سراج أمتي, وأغرب من ذلك ما أسنده الحاكم عن سيف بن عمر التميمي ، قال: كنت عند سعد بن طريف، فجاء ابنه من الكُتَّاب يبكي. فقال: مالك؟ قال: ضربني المعلم. قال: لأخزينَّهم اليوم. حدثني عكرمة ابن عباس مرفوعاً: معلّمو صبيانكم شِراركم، أقلّهم رحمة لليتيم وأغلظهم على المسكين, ويذكر عبد الله بن يزيد المقرئ أن رجلاً من أهل البدع رجع عن بدعته فجعل يقول: انظروا هذا الحديث عمن تأخذونه. فإنا إذا رأينا رأياً جعلنا له حديثاً,
وذكر الأستاذ صبحي الصالح ما فعله الوضّاعون في الحديث فقال: ولو ذهبنا نستقصي ما افتراه الوضّاعون ونسبوه إلى رسول الله لما أمكننا إحصاؤه. فالزنادقة وحدهم وضعوا (كما قال حماد بن يزيد) أربعة عشر ألف حديث. وعبد الكريم بن أبي العوجاء وضع (باعترافه) أربعة آلاف حديث. فإنه لما أُخذ لتُضرب عنقه في خلافة المهدي صاح قائلاً: لقد وضعتُ فيكم أربعة آلاف حديث أحرّم فيها الحلال وأُحلّ الحرام,
البيئة العقائدية لمحمد:
لم تكن الجزيرة العربية خلواً من الديانات، بل كان بها كثير من العقائد الدينية. وكانت إرهاصات النبوة تملأ الجزيرة العربية، فاليهود ينتظرون مجيء المشيح المنتظر ، والمسيحيون ينتظرون المجيء الثاني للمسيح ، والحنفاء ينتظرون نبياً لهم. وفي هذا يقول أمية بن أبي الصلت أمية بن أبي الصلب :
ألا نبي لنا منا فيخبرنا
ما بعد غايتنا من رأس محيانا,
فنشأ محمد في وسط هذه البيئة، يلتقي بقَس بن ساعدة في سوق عكاظ ويسمعه. ويجلس مع زيد بن نفيل عند الكعبة فيما يرويه البخاري: فقُدِّم لهم طعاماً فقال زيد: لستُ آكل مما تذبحون على أنصابكم، ولا آكل إلا ما ذُكر اسم الله عليه.
ثم يتزوج محمد من خديجة ويظل خمسة عشر عاماً قبل نبوّته قريباً من ورقة بن ، ابن عم خديجة، وهو على ما تذكر كتب السيرة كان يترجم الإنجيل للعربية، ويدعو للتوحيد الكتابي، ومن المنطقي أن يدعو محمداً إلى ذلك (السيرة النبوية لابن هشام).
ونقرأ في صحيح مسلم عن عمرو بن الشريد عن أبيه قال: ردفت رسول الله فقال: هل معك من أُمية بن أبي الصلت شيء؟ قلت: نعم، قال: هيه. فأنشدته بيتاً، فقال: هيه. ثم أنشدته بيتاً. فقال: هيه. حتى أنشدته مائة بيت, ثم نجد حديثاً آخر عن أبي هريرة: قال رسول الله: أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل, فهذا محمد يطلب أن يسمع شعر الحنفاء، ويحفظ منه، ويلتقي بهم في أسواقهم الثقافية، ويرافق أحدهم خمسة عشر عاماً، ويلتقي بآخر حول الكعبة. بل ذهب الدكتور القمني في كتابه الحزب الهاشمي إلى أن عبد المطلب جد محمد كان أحد زعماء الحنفاء، وذلك بالإضافة إلى جده الأكبركعببن لؤي الذي ابتدع يوم الجمعة، فكان يدعو قريشاً ويعظهم فيه ويدعوهم للتوحيد، ويحملهم على التأمل في خلق السماء والأرض، واختلاف الليل والنهار، وكان يتصدق، ويحفظ العهد، ويفشي السلام. فكل هذا كان متوارثاً في بيئة محمد ولم يكن جديداً عليها.
وكما رأينا أن هذه الأخلاط من الديانات التي نشأ محمد في وسطها واحتك بها لا بد أن يكون لها تأثيرها على موروثه العقائدي، ومِن ثمَّ على دعوته التي لم تختلف كثيراً عن أغلب الدعوات قبلها، إلا في تبنّيها لشريعة الجهاد (كما ترى ذلك في تعليقنا على أحاديث الجهاد، في الجزء الثاني من هذا الكتاب). لقد وُلد محمد في مجتمع يعرف الله، وإن كانت معرفته غير سليمة، ثم عاش في بيئة تنتمي إلى الحنفاء وتوحيدهم. ونعتقد أن أخلاط ديانات الجزيرة هي التي أوجدت محمداً ، وأنه هو الذي نشرها وتبنّاها مضيفاً لها شرع الجهاد مسمياً إياها الإسلام. والواضح أن لهذا الموروث العقائدي أثره حتى على الحديث الصحيح، كما سنرى في الأحاديث التي جاءت بشأن المسيح، أو حتى في أحاديث الحدود.
الجزء الثاني:
تناقضات الحديث
1 - أحاديث الطهارة
تتميَّز أحاديث هذا الباب بكثرتها واضطرابها وضعف أكثر رُواتها، إما بالكذب أو النسيان أو التغفيل. وبالرغم من أن عنوان هذا الباب هو كتاب الطهارة فإنه يحتوي على ما لا ينتمي للطهارة بصلة، مثلما رواه أحمد والبخاري من حديث صلح الحديبية عن مروان بن الحكم قال: ما تنخَّم النبي نُخامة إلا وقعت في كفّ رجلٍ، فدلك بها وجهه ورجليه (تنخَّم أي دفع شيئاً من صدره أو أنفه).
وأيضاً ما رواه ابن عباس مرفوعاً: إن في أبوال الإبل شفاء للذربة بطونهم,(الذرب داءٌ يصيب المعدة فلا تهضم الطعام، ويفسد فيها فلا تمسكه).
وعن أنس بن مالك أنس بن مالك قال إن رهطاً من عُكل (قبيلة من قُضاعة) أتوا المدينة فأمر لهم النبي بلقاح (نياقٍ ذات لبن) وأمرهم أن يشربوا أبوالها وألبانها,
ورغم أن محمداً أمر أتباعه أن يشربوا من بول الإبل، إلا أن حديثاً آخر يقول إن محمداً قال: تنزَّهوا من البول، فإن أكثر عذاب القبر منه. وعن ثوبان قال: قال النبي: الماء طهور إلا ما غلب على ريحه وطعمه.
ورغم هذا فإن محمداً شرب وتوضَّأ من بئر بضاعة وهي بئر تُطرح فيها محايض النساء ولحم الكلاب وعذر (براز) الناس، وماؤها متغيِّر اللون,وأعجب ما في الأمر أن هذه الأحاديث وردت في كتاب واحد هو كتاب الطهارة بل وفي مرجع واحد هو نيل الأوطار. ورغم أن رُواتها هم أئمة الحديث عند المسلمين، كالبخاري وأحمد والشافعي والنَّسائي وابن ماجة والدارقطني والحاكم والبيهقي ، فإن المسلمين أنكروا نسبة أغلبها للنبي، أو برَّروا هذا الخبط بالناسخ والمنسوخ. فمثلاً يروي أبو داود والنسائي: نهى النبي أن يغتسل الرجل بفضل وضوء المرأة، أو المرأة بفضل وضوء الرجل,(فضل الوضوء: هو الماء المتبقّي من الوضوء). ثم يروي أبو داود والنسائي أيضاً أن النبي كان يتوضأ بفضل وضوء ميمونة وعائشة وهما جُنُبان,
وحين نتساءل عن هذا التضارب نجد الإجابات تتأرجح بين ناسخ ومنسوخ أو التخفيف على المسلمين أو إن ذلك رخصة للنبي وحده، مثل الرخصة له في التزوُّج بمن يشاء.
وأحياناً تجد مجموعة من الأحاديث التي لا يمكن تفسيرها تفسيراً مقبولاً، مثلما رواه البخاري عن ابن عباس ، قال: توضأ النبي مرةً مرة، لم يزد على هذا, ثم يروي البخاري في نفس الباب عن عبد الله بن زيد ، قال: إن النبي توضأ مرتين مرتين, فيردّ عليه مسلم في صحيحه عن عثمان بن عفان قال: ألا أريكم وضوء النبي؟ فتوضأ ثلاثاً ثلاثاً,
ولنا الحق أن نتساءل: هل كان وضوء محمد مرة أم اثنتين أم ثلاثاً؟
رُوي عن عمار بن ياسر قال: قال النبي ثلاث لا تقربهم الملائكة: جيفة الكافر، والمتضمِّخ بالخلوق (أي: المتطيِّب بالزعفران) والجُنُب إلى أن يتوضأ. ورغم ورود هذا الكلام على لسان محمد فإنه قال في موضع آخر: حُبِّب إليَّ الطّيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة,
ورغم أمر القرآن باعتزال النساء في فترة الحيض بالقول: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ (سورة البقرة 2: 222) سورة البقرة2: 2,4إلا أنه كان يأمر عائشة أن تَأتزر (أي: تغطي ما بين السُّرة إلى نصف الفخذ) ثم يباشرها بعد ذلك. والواضح أن محمداً كان يأمر بشيء ثم ينساه، أو يكتشف خطأه فيأمر بغيره، ويترك لأتباعه مهمة التوفيق بين كل ما قال وفعل!
وللتعليق نقول: ماذا يقول علماء المسلمين في هذه الاختلافات؟ ومن أراد معرفة المزيد من هذه الاختلافات فليقرأ كتاب الطهارة في أي كتاب من كتب الفقه أو الحديث.
2 -أحاديث الصلاة
الصلاة صلة شخصية بين الإنسان والله، تقوم على حب الإنسان لله، وليس على خوفٍ أو رعبٍ منه.
ولن نتكلم في هذا الفصل عن تناقضات مواقيت الصلاة كما جاءت في الحديث، ولا عن الاختلاف في طرق أدائها، فسوف نسلِّم لعلماء المسلمين بقولهم: إن في الاختلاف رحمةً بالمسلمين أو كما نُسب إلى محمد نفسه قوله: إن في اختلاف أمتي رحمة. ولكن سنورد بعض الأحاديث عن علاقة الإنسان بربِّه، ذلك الإله المحب، الودود، الغفور، الرحيم الذي يرحم الجميع ويريد أن يخلِّصهم.
قال محمد : مُرُوا الصبيَّ بالصلاة إذا بلغ سبع سنين. وإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها, وقال أبو هريرة إن محمداً قال: أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحوِّل الله رأسه رأس حمار؟,
كتب شاب مسلم اهتدى للمسيح يقول: كنت وأنا صبي أجري للصلاة حالما أسمع الأذان خوفاً من الضرب. وذات يوم سمعت الإمام يذكر حديثاً في النهي عن رفع الرأس قبل الإمام، فزاد خوفي من أن يتحول رأسي إلى رأس حمار. فكنت أتطلع إلى وجهي في المرآة بعد كل صلاة لأرى إن كان رأسي قد تحول أو لم يتحول بعد إلى رأس حمار! كنت مرتعباً من الضرب إن لم أصلِّ، ومرتعباً من أن يصبح رأسي رأس حمار لو أسأت التصرف في الصلاة.
علاقة الصلاة بين المسلم والله علاقة خوف وعبودية، فالله كما يراه المسلم لا يبالي بمن يدخل الجنة أو يدخل النار، فإنه ما خلق الإنس والجن إلا ليكونوا له عبيداً كما جاء في القرآن وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (سورة الذاريات 51: 56). ورغم هذا التشدُّد في الإسلام فإنك تجد التساهل، أو ما يسميه المسلمون الترهيب والترغيب. عن أبي هريرة ، قال محمد : الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفّراتٌ لما بينهن، إذا اجتنب الكبائر, وعن ابن مسعود، قال إن رجلاً أصاب مِن امرأة قُبلةً فأتى النبي فأخبره، فأنزل الله وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ (سورة هود 11: 114). فقال الرجل: يا رسول الله، أإليَّ هذا؟ فأجابه: لجميع أمتي كلهم,
لقد جعل محمد الصلاة أحد طرق دخول الجنة، وقال إنه إذا أذنب شخصٌ فالصلاة تكفيه. فأين هذا من قول الله في كتابه العزيز: مَتَى فَعَلْتُمْ كُلَّ مَا أُمِرْتُمْ بِهِ فَقُولُوا: إِنَّنَا عَبِيدٌ بَطَّالُونَ. لِأَنَّنَا إِنَّمَا عَمِلْنَا مَا كَانَ يَجِبُ عَلَيْنَا (لوقا 17: 1 )
ما يقطع الصلاة:
وتجد في كتاب الصلاة تناقضاً صريحاً، يعتذر المسلمون عنه بأنه من الناسخ والمنسوخ أو يقوم أحد أصحاب محمد بتصحيحه له، مثل ما ورد عن أبي هريرة أبي هريرة ، قال: يقطع الصلاة: المرأة، والكلب، والحمار وفي رواية الكلب الأسود, وعندما سمعت عائشة هذا الحديث قالت: بئسما عدلتمونا بالحمار والكلب. لقد رأيتُ النبي يصلي صلاته من الليل وأنا معترضةٌ بين يديه. فإذا أراد أن يسجد غمز رجلي فضممْتُها إليَّ ثم يسجد, وعن الفضل بن عباس قال: أتانا النبي ونحن في بادية لنا ومعه عباس ، فصلى في صحراء ليس بين يديه سترة، وحمارة لنا وكلبة تعبثان بين يديه، فما بالى بذلك. وقال أبو داود بعد هذه الأحاديث: إذا تنازع (اختلف) الخبران عن الرسول نُظر إلى ما عمل به أصحابه من بعده. فهذا هو الرد على التناقضات! وقد يزول العجب إذا عرفنا أن محمداً قال لأصحابه: ذَرُوني وما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم. فإذا أمرتكم بشيء فخذوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا, ثم يقول في الحديث التالي: مَن أطاعني فقد أطاع الله، ومَن عصاني قد عصى الله, ويقول القرآن: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَا نْتَهُوا (سورة الحشر 59: 7) وقال أيضاً: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ (سورة المائدة 5: 1 1). فأحاديث محمد وقرآنه تأمر بطاعة محمد وبالنهي عن التفكير في ما قال، وتأمر بعدم السؤال عما لم يقُل، حتى وصل الأمر ببعض المسلمين إلى اعتبار البحث في ذات الله كفراً. فهل يحّوِل الإسلامُ تابعيه إلى كائنات مغيَّبة العقول، لا تفكر في ما تسمعه؟ لقد أمر المسيح تابعيه أن يفتِّشوا الكتب المقدسة ويدرسوها (يوحنا 5: 39) ورحَّب رُسله بأن يفحص المستمعون الكتب المقدسة ليروا لأنفسهم أن المسيح هو المخلِّص الذي تنبّأ أنبياء التوراة بقدومه (أعمال 17: 11) فقد علموا أن الكتب لم تتكلم إلا عن المسيح، ولم تأمر إلا بالإيمان به! أما محمد فقد نهى عن قراءة الكتب المقدسة السابقة له.
الصلاة في الإسلام هي الباب الواسع لدخول الجنة، مع أن الصلاة الإسلامية وأسلوبها كانت موجودة قبل محمد بنفس طريقة الركوع والسجود، وفي نفس الأوقات تقريباً عند الصابئة وعابدي الكواكب. فالإسلام لم يأت بجديد، بل أخذ ما كان قبله ووافق عليه، من مراسم الحج والعمرة والصوم والصلاة، فأخذه كما هو، أو أنقص منه أو زاد عليه,
3 - أحاديث الصيام
الصوم هو أحد الأبواب الواسعة لدخول الجنة في الإسلام، فقد قال محمد : مَن صام إيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تقدّم من ذنبه,
كان محمد يرغِّب أصحابه في الصوم واعداً إياهم بملذّات الآخرة، فيُروى عن أبي عمر أن النبي قال: إن الجنة تُزخرَفلرمضان من رأس الحول إلى الحول. فإذا كان أول يوم من رمضان هبت ريح تحت العرش من ورق الجنة على الحور العين، فيقلن: يارب؛ اجعل لنا من عبادك أزواجاً تقرّ بهم أعيننا، وتقر أعينهم بنا.
ورغم أن الصوم هو تقديس وتكريس وقت للجلوس بين يدي الله، إلا أن الإسلام جعل منه شيئاً آخر، فهو مجرد جوع وعطش إلى حين.
وكعادة محمد في أفعاله المتضادة نراه يحرّم شيئاً ثم يُبيحه، فيُروَى عن أنس أن رجلاً سأل محمداً عن شخصٍ قَبَّل امرأته وهما صائمان فقال له قد أفطرا, ولكن عائشة تقول إن النبي كان يُقبِّلها وهو صائم ويمصُّ لسانها, وعنها أيضاً: كان النبي يُقَبِّل وهو صائم، ويباشر وهو صائم، وكان أملككم لإربه,(يباشر: أي يضع بشرته على بشرتها. أربه أي غرضه، وإربه: عضوه).
وعندما أمر محمد أصحابه بالصوم حرَّم عليهم النساء والطعام بعد العشاء إلى غروب شمس اليوم التالي. فلما شكوا له ذلك قال في سورة البقرة 2: 187 أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ. والرفث هو الإفصاح بما يجب أن يُكنى عنه، وكُني به هنا عن مقاربة النساء,
وبرغم كل هذا فلم يكن الصيام شيئاً جديداً أتى به محمد ، بل (مثله مثل الصلاة) اقتبسهما وغيرهما مِن شعائر مَنْ كانوا قبله. فقد كان الحنفاء يصومون شهر رمضان من كل عام، وكان اليهود يصومون أياماً كثيرة، فأخذ محمد منهما.
-أحاديث الجهاد
أمر القرآن في بداية الدعوة الإسلامية بالمعروف ونهَى عن المنكر، ونادى بالدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ومجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن، والإعراض عن الجاهلين (راجع السُّور القرآنية المكية مثل: القلم، المدثر، الأعلى، النجم، البروج، القيامة، يوسف، النحل، الروم، الرحمن، العنكبوت).
وبعد الهجرة من مكة إلى المدينة تغيّرت استراتيجية محمد من الدعوة بالمعروف، إلى ردّ العنف بالعنف أو إلى الدفاع المسلّح. وبعد أن قويَت شوكة المسلمين تحّولوا إلى الهجوم المسلح والغزو العسكري (راجع سُور القرآن المدنيّة، مثل: البقرة، الأنفال، محمد، الفتح، المائدة، التوبة).
ويختلف علماء المسلمين كثيراً في موضوع الجهاد، لأن باب الجهاد يحتوي على أكثر الأحاديث تضارباً، وأكثر الآيات القرآنية اختلافاً. ونورد في هذا الفصل بعض هذه الأحاديث والآراء:
استراتيجية الدعوة:
بدأ محمد دعوته باللين فكان يقول: إنما أنا رحمة مُهداة. وكان يقول: إني لم أُبعَث لعّاناً وإنما بُعِثت رحمة,
ولكن بعد مرور فترة على دعوته قام بتوضيح هذه الرحمة المُهداة فقال: بُعثت بالسيف بين يدي الساعة، وجُعل رزقي في ظل رمحي، وجعلت الذلة والصغار على من خالف أمري,وحينما سمع أصحابه هذا الحديث، ووجدوا أنه قد يكون سبباً في ترك الناس لهم، ذهبوا إليه ليسألوه إن كان حقاً قد قال هذا الكلام، فأجابهم: نعم ووالله إني قد جئتهم (أي من خالف دينه وأوامره) بالذبح (الحِكَم الجديرة بالإذاعة في شرح حديث بُعثت بالسيف بين يدي الساعة لابن رجب الحنبلي). وقال محمد في موضع آخر: أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة. فإذا فعلوا عصموا منّي دماءهم وأموالهم,
آراء علماء المسلمين:
تضاربت آراء علماء المسلمين في الجهاد، فمِن قائل إن آيات القتال نسخت كل آية تأمر بالعفو والصفح، ومن قائل إنه لا نسخ في القرآن، وثالث يرجّح العمل بالترتيب التاريخي لنزول الآيات. ووصل بهم الأمر إلى تكفير بعضهم البعض، وحكم كل طائفةٍ لنفسها بالنجاة وللآخرين بالهلاك.
وكتب بعضهم يقول: إن أحداً لم يُخلَقْ من دون الله.. وإن أحداً لم يَخلُقْ مع الله.. فليس من حق أحدٍ أن يُشَرِّع من دون الله.. وليس من حق أحدٍ أن يُشَرِّع مع الله.. وليس لأحدٍ أن يحكم بين خَلْق الله، لا بين المسلمين، ولا الكفار.. إلا بحكم الله ورسوله. إن الناس لم يخلقوا أنفسهم، ولم يخلقوا الأرض التي عليها يحيون وعليها تقوم مجتمعاتهم، فليس من حقهم أن يهيمنوا أو يهيمن بعضهم ليُشَرِّع ويحكم، يأمر وينهى من دون الله.
إننا مأمورون بتحقيق سيادة شَرْع الله على أرض الله وعلى خَلْق الله. إننا مأمورون أن لا ندع أي طائفة على وجه الأرض تحكم الناس بغير شَرْع الله. فمن أبى ذلك ورفض الإذعان قاتلناه. إن الجهاد حتميّة يفرضها الشَرْع وتمليها علينا عدة فروض شرعية لا يتم أيٌّ منها إلا بالجهاد.
1 - يمليه علينا الإجماع المنعقد على وجوب خلع الحاكم الكافر.. أليس حكام بلادنا قد كفروا باستبدال الشرع وبحكم الخلق بشرعٍ جاهلي؟ أليس الجهاد واجباً اليوم لخلع هؤلاء الحكام؟
2 - يمليه علينا الإجماع المنعقد على وجوب قتال أي طائفة ذات شوكة تمتنع عن شريعة أو أكثر من شرائع الإسلام حتى تلتزم بها.. أليست الطوائف المهيمنة على بلادنا ممتنعة عن أكثر شرائع الإسلام؟ أليس الجهاد اليوم واجباً لإجبار هذه الطوائف على الالتزام بما امتنعت عنه؟
3 - يمليه علينا الإجماع المنعقد على وجوب نصب خليفة للمسلمين. أليست الخلافة غائبة عنا اليوم؟ ألم يسقطها أعداؤنا بالسيف والقهر؟ أليس الجهاد هو طريق عودتها.
4 - يمليه علينا الإجماع المنعقد على وجوب الدفاع عن ديار الإسلام، واسترداد ما استولى عليه الكُفّار منها.. أليس الجهاد واجباً لاسترداد فلسطين والأندلس وفرنسا وبلاد البلقان والجمهوريات الإسلامية في روسيا وغيرها؟.
هذا هو إيمان إحدى الجماعات الإسلامية (الجهاد). ونتيجة اعتقادهم هذا كانت أفعالهم، فقام تنظيم الجهاد في مصر في الفترة من 1979 حتى 1992 باغتيال عدة أفراد من القيادات السياسية في مصر (منهم الرئيس أنور السادات أنور السادات ) وبعض الصحفيين والكتّاب (منهم الدكتور فرج فودة ) بعد أن حكم بتكفيرهم. وقام أيضاً بحرق عشرات الكنائس، وقتل عدد كبير من المسيحيين. وموَّلوا هذه الأنشطة من سرقة محلات المجوهرات التي يمتلكها مسيحيون ومسلمون! وظهرت جماعات مماثلة في الجزائر والمغرب وباكستان وإيران وأفغانستان والأردن والسودان ولبنان واليمن وتونس.
الجهاد وأهل الكتاب:
بدأ موقف المسلمين من أهل الكتاب، يهودٍ ومسيحيين، على يد محمد نفسه. فبعد أن نادى بالمودّة والرحمة، وأعلن أن المسيحيين هم أقرب الناس موَدّة للمسلمين، قرر في آخر أيامه أن يُخرِج المسيحيين واليهود من جزيرة العرب8.
فكان بعد موته أن استوعب أتباعه الدرس جيداً، فهذا عمر بن الخطاب يكتب ما عُرِف؟ "بالوثيقة العُمَرية؟ ويحدِّد فيها معاملات المسيحيين. ونقدم هذه الوثيقة دون أي تعليق، فنصُّها يتحدث عن نفسه:
عن عبد الرحمن بن غنم : كتبتُ لعمر بن الخطاب رضي الله عنه حين صالح نصارى الشام، وشرَط عليهم فيه
ألّا يُحدِثوا في مدينتهم ولا فيما حولها ديراً ولا كنيسة ولا قلّاية ولا صومعة راهب،
ولا يجدِّدوا ما خُرِّب،
ولا يمنعوا كنائسهم من أن ينزلها أحدٌ من المسلمين ثلاث ليالٍ يطعمونهم،
ولا يؤووا جاسوساً،
ولا يكتموا غشاً للمسلمين،
ولا يعلّموا أولادهم القرآن،
ولا يُظهِروا شِركاً،
ولا يمنعوا ذوي قرابتهم من الإسلام إن أرادوا،
وأن يوقّروا المسلمين،
وأن يقوموا لهم من مجالسهم إذا أرادوا الجلوس،
ولا يتشبّهوا بالمسلمين في شيء من لباسهم،
ولا يتكنّوا بكناهم،
ولا يركبوا سرجاً،
ولا يتقلّدوا سيفاً،
ولا يبيعوا الخمور،
وأن يجُزُّوا مقادم رؤوسهم،
وأن يلزموا زيَّهم حيثما كانوا،
وأن يشدّوا الزنانير على أوساطهم،
ولا يُظهِروا صليباً ولا شيئاً من كتبهم في شيءٍ من طرق المسلمين،
ولا يجاوروا المسلمين بموتاهم،
ولا يضربوا بالناقوس إلا ضرباً خفيفاً،
ولا يرفعوا أصواتهم بالقراءة في كنائسهم في شيء من حضرة المسلمين،
ولا يخرجوا شعانين،
ولا يرفعوا أصواتهم مع موتاهم،
ولا يَظهِروا النيران معهم،
ولا يشتروا من الرقيق ما جَرَتْ عليه سهام المسلمين.
فإن خالفوا شيئاً مما شرطوه فلا ذمّة لهم،
وقد حلّ للمسلمين منهم ما يحل من أهل المعاندة والشقاق,
فإن كان هذا ما حدث في عهد عُمَر الخليفة العادل(!!!!؟؟؟؟؟) فماذا كان يحدث في عهد الخلفاء الظالمين؟! ولكي لا تكون الصورة قاتمة أمامنا، نقول إن الشروط العُمَرية هذه لم يقبلها كل المسلمين، بل رفضها قومٌ منهم، وهناك آخرون (وهم غالبية المسلمين في وقتنا الحاضر) لا يعلمون عنها شيئاً. وتقابل هذه النبرة المتشدّدة نبرةٌ أخرى حانية، فتجد بعضهم يردد حديث محمدعليكم مصر فاستوصوا بالقبط خيراً، فإن لهم ذمة ورحماً (وهو يقصد : إذا فتح الله هاجر المصرية أم إسماعيل، ومارية القبطية أم ولده إبراهيمالقرآن بالمعروف بعضهم يردد آيات (التي يقول آخرون بنسخها) والتي تأمر ). وتجد والصفح، ولا إكراه في الدين.
وبينما يحاول المسلمون تأويل هذه الآية بأنها تدل على روح التسامح وحرية الاختيار في الإسلام، لكن كل من يدرس سياق النص الذي وردت فيه الآية ويقارنها بنص القرآن لا إكراه في الدين لا يجد أنها تدل على أي تسامح. بل على العكس، فهي تعبير واضح عن خيبة أمل نبي الإسلام في أهل الكتاب من يهود ونصارى بعد أن خابت محاولاته وجهوده لكسبهم إلى صفوفه,
وللتعليق نقول:
مرَّت الدعوة الإسلامية بعدة تغيرات جوهرية، فقد كانت في بدء عهدها سلميّة بالحكمة والموعظة الحسنة. ولكن بعد الهجرة إلى المدينة تحوَّلت إلى دعوة عسكرية مسلحة بالْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ (سورة الحديد 57: 25) وكان لا بد لهذه الدعوة التي بدأت سبيلها لتأسيس حكومة دينية، يكون محمد على رأسها، في حماية عسكرية داخل المدينة وخارجها. فكانت شريعة الجهاد طوال الفترة المدنية، وكان التحريض على القتال، وحل مشاكل الإمارة السياسية، وتوزيع الغنائم وتمويل الجيوش (راجع سورتي الأنفال والتوبة).
وبعد وفاة محمد انقسم أصحابه على خلافته، ثم ارتدّ عرب الجزيرة عن الإسلام، مما يدل على أنهم رأوا في رسالة محمد إمارة أكثر منها نبوّة. فأرسل أبو بكر الجيوش إلى كل جهات الجزيرة لردهم إلى الإسلام وسلطانه. ثم بعد فترة كانت الفتوحات أو الغزوات الإسلامية لمصر والعراق والشام، وتأسست أركان الإمبراطورية الإسلامية من أسبانيا إلى إيران.
والأمر الطبيعي أن تجد تضارباً فيمثل هذا الفكر الذي امتدّ فترة زمنية تجاوزت الألف عام قبل انحساره. وأنت اليوم ترى هذاالفكر يحاول الظهور على السطح مرة أخرى من خلال جماعات الإسلام السياسي المنتشرة في معظم الدول الإسلامية، وأن تجد دعاة السلام ودعاة الحرب يحتجون جميعاً بالقرآن والسُنَّة.
قد كان للسيف دور كبير في تاريخ الإسلام، فلولاه ما فُتِحَتْ مكة ولا خيبر. ولولا حروب الردّة ما رجع العرب إلى الإسلام، ولكان اقتدى بالنبي كثيرٌ من المتنبّئين الكذبة واقتطعوا لهم دويلات دينية في أنحاء شبه الجزيرة العربية، ولضاعت على العرب الوحدة الدينية والقومية التي صنعها لهم محمد.
5 -أحاديث الحدود
الحدود في الفقه الإسلامي تعني العقوبة التي قدّرها المشرِّع على فعلٍ خاطىء. ولم يقتصر الأمر على العقوبات التي قدّرها القرآن، بل زيدت عليها جزاءات رُويت عن النبي، وجزاءات اجتهد فيها الصحابة، فاتّسع معنى المشرِّع ليشمل الاجتهاد والقياس بجوار أقوال القرآن والنبي.
والحدود - على هذا المعنى - ستة: حد السرقة، وحد القذف، وحد الزنا، وحد شرب الخمر، وحد قطع الطريق (الحرابة)، وحد الردة وهي ترك الإسلام,
حد السرقة:
المقصود بحدّ السرقة هو العقوبة المفروضة على من أخذ مال أو متاع شخصٍ آخر على وجه الخفية والاستتار، قاصداً بذلك تملّك الشيء المأخوذ. ولا يدخل في ذلك الاختلاس لأنه استلاب المال دون وجه حق، لكن دون خفية أو استتار، بل قد يكون ذلك علناً. وكذلك النهب، وهو أخذ مال الغير بالقوة، فيدخل تحت حد قطع الطريق. وأيضاً خيانة الأمانة، وتعني جحود وإنكار شخص لأخذه متاعاً أو مالاً من آخر، وادّعاءه ملكيته له.
وطبقاً لهذه التعريفات ورد حديث عن محمد يقول ليس على الخائن، ولا على المختلس، ولا على المنتهب قطع, وأيضاً لا يدخل في ذلك العبيد والإماء وأهل الكتاب، فقد قال محمد: ليس على العبد الآبِق إذا سرق قطع ولا على الذمي. وعن ابن عباس قال: إنه لا يرى على العبد حداً ولا على أهل الأرض من اليهود والنصارى حداً,
ولم يترك المسلمون هذا التحديد فيمن تُحدد عليه العقوبة، بل حددواً أيضاً مقدار المال المسروق. فعن محمد قال: لا يقطع السارق إلا في ربع دينار فصاعداً. ورُوي أيضاً عنه: لا يقطع السارق إلا في عشرة دراهم. وعلى ذلك فإذا سرق شخص ربع دينار طبقوا عليه الحد. أما إذا اختلس أو انتهب مليون دينار فليس عليه عقاب! وكذلك أهل الكتاب من اليهود والمسيحيين ليس عليهم حدود، بالرغم من أن محمداً رجم يهوديين زنيا في المدينة,
وقد أضاف بعضهم شرط العودة، أي تكرار السرقة، حتى يصدق على الشخص وصف السارق الذي ورد في الآية وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ (سورة المائدة 5: 38) وهذا الوصف في الآية لا يتحقق بفعلٍ واحد، وإنما يلزم له التكرار. كما استلزم البعض ألّا تكون بالسارق حاجة لما سرقه. فقد رفض ابن الخطاب أن يُقيم حدّ السرقة على غلمانٍ سرقوا ناقةً لجوعهم.
وللتعليق نقول:
يتطلّب حدّ السرقة شروطاً يصعب أن تتحقق فيلزم بها الحد. وهو لا ينطبق أيضاً على من يسرق أموال الدولة، لأن لكل فرد حقاً في مال الدولة، وهذا الحق هو ما يُسمى فقهياً بشبهة الملكية، وهي ما يسقط بها الحد فلا تقوم الجريمة أساساً. كما أن النص لا ينطبق على المختلس - كما ورد سابقاً - الذي يحوز مال الحكومة أو أي مؤسسة ثم يغيّر نيَّته فيحوز لنفسه ما كان يحوزه للحكومة.
حدّ القذف:
جاء في سورة النور 24: 4 وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ.
وفى نفس السورة آية 23إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاَتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ.
لم تحدَّد عقوبةٌ للقذف السب أو الاتهام بالزنا في الإسلام إلا في سورة النور، بعد اتهام بعض الصحابة لعائشة زوجة محمد بالزنا مع صفوان بن المعطل ، وهي القصة المعروفة في كتب التفسير والحديث بحادث الإفك (راجع الجزء الرابع من هذه السلسلة، فصل تعليقات على سورة النور).
وفضلاً عن عقوبة الجَلد فإن آيتي 4 و23 من سورة النور أَلحقتا بالقاذف وَصف الفسق واللعنة في الدنيا والآخرة، وكذلك إسقاط شهادته. وقال البعض إن الحكم القرآني اقتصر على تأثيم قذف النساء، ولكن البعض الآخر رأى التسوية بين قذف الرجال وقذف النساء، وأوجب الحدّ فيهما معاً، مع مخالفة ذلك لظاهر النص. وهناك بعض الأحاديث في عقوبة قذف الرجال، ولكن أكثر علماء الحديث حكموا بضعفها أو وضعها.
وهذا مثل حديث عكرمة ابن عباس عن النبي قال: إذا قال الرجل للرجل يا مخنَّث فاجلدوه عشرين، وإذا قال الرجل للرجل: يا لوطي فاجلدوه عشرين, وهذا الحديث مطعون فيه من طريق عكرمة، فقال أكثر من واحد إنه متروك الحديث.
حد الزنا:
قرر محمد تأثيم الزنا وتقرير عقوبته على ثلاث مراحل:
1 - وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً (سورة النساء 4: 15) فالعقوبة هنا هي الحبس المطلق، أو قيام سبيل من الله.
2 - وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَّوَاباً رَحِيماً (سورة النساء 4: 16) والعقوبة هنا هي الإيذاء غير المحدد، المتروك تقديره لولي الأمر.
3 - الّزَانِيَةُ وَالّزَانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَائَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمْا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (سورة النور 24: 2) 24 سورة النور. إذن فعقوبة الزنا قرآنياً هي الجَلد مائة جلدة لكلٍ من الزاني والزانية. غير أن النبي عاقب بالرجم، ورُوي في ذلك أنه كانت هناك آية في القرآن تُسمَّى آية الرجم لكنها نُسِخَتْ نصاً مع بقاء حكمها,
تاريخ الرجم:
أول ما أمر محمد بالرجم كان في واقعة زنا حدثت بين يهودي ويهودية احتكم فيها اليهود إلى محمد، فأمر برجمهما بحسب حكم التوراة في التثنية 33: 23,22.
وفي كتابه أصول الشريعة قال المستشار محمد سعيد العشماوي: إذا كان النبي قد سار على حكم التوراة، فأمر بالرجم بعد ذلك مع أنه مشكوك فيه أنه رجم بعد نزول آية الجَلْد فهل يعني ذلك أن النبي نسخ بفعله هذا حكم القرآن، أم أن ما فعله يمكن أن يُحمل على أنه حكم خاص بالنبي وحده!؟ فالثابت قرآنياً أن هناك أحكاماً خاصة بالنبي وحده، كالزواج بأكثر مِن أربعة، وعدم حقه في أن يطلّق أزواجه، وعدم حل أزواجه لأحدٍ مِن المسلمين بعده.
وبالرغم من أن محمداً أمر برجم يهوديين زنيا إلا أن هناك أحاديث تقرر عدم جواز ذلك، فقد ورد عن محمد ليس على العبد، ولا على أهل الكتاب حدود,
شروط تطبيق الحد:
وضع الإسلام شروطاً لتطبيق حد الزنا تكاد تجعله مستحيلاً إلا إذا اعترف الزاني، فقد اشترطوا رؤية أربعة رجال عدول للزانيَين، ولا تُقبَل شهادة المرأة، وضرورة التأكد من شخصية الزانيين، ورؤية الفعل تفصيلاً وفي وضح النهار, رُوي عن عمر : ارتحل المغيرة وأبو بكرة ونافع بن كلدة وزياد وشبل بن معبد فجمع عمر بينهم (الشهود) وبين المغيرة (الزاني)، فقال المغيرة: سل هؤلاء الأعبد كيف رأوني: مستقبِلهم أم مستدبِرهم؟ وكيف رأوا المرأة وعرفوها؟ فإن كانوا مستقبِليَّ فكيف لم أستتر؟ أو مستدبِريَّ فبأي شيءٍ استحلّوا النظر إليَّ في منزلي وعلى امرأتي؟ والله ما أتيتُ إلا امرأتي، وكانت شبهها (يعني شبه الزانية). فبدأ عمر بأبي بكرة فشهد عليه أنه رآه بين رجلي أم جميل وهو يدخله ويخرجه كالميل في المكحلة. فسأله عمر : كيف رأيتَهما؟ قال: مستدبرهما، قال: فكيف استثبت رأسها؟ قال: تحاملت. ثم دعا بشبل. فشهد بمثل ذلك، وكذلك نافع. ولم يشهد زياد بمثل شهادتهم، بل قال إنه لم يره كالميل في المكحلة والرشاء (الحبل) في البئر. فأمر عمر بالثلاثة أن يُجلدوا حد القذف,
وتقدم الرواية السابقة نموذجاً رائعاً لمذكرة الاتهام. فالشهود متوافرة، وقد رأوا الواقعة نظراً لظروف البناء وقتها والحد كان على وشك أن يُقام لولا تلجلج زياد في جزئية أورثت شبهة، فما كان من عمر إلا أن طبَّق قول محمد ادرأوا الحدود ما استطعتم عن المسلمين، فإن وجدتم للمسلم مخرجاً فأخلوا سبيله، فخيرٌ للإمام أن يخطئ في العفو من أن يخطئ في العقوبة,
فكما ترى أن جريمة الزنا في التشريع الإسلامي بأركانها وشروطها جريمة يصعب إثباتها. فإن حدثت بصورة يمكن إثباتها تكون أقرب إلى الفعل العلني الفاضح الذي يفعله شخصٌ لا يتحرّج عن الظهور أمام الناس بما يخدش الحياء. فالزنا إن حدث في الخفاء، أو بغير أن يشهده أربعة موثوق بهم، فإن الزاني يفلت من الحد!
وكان محمد يحاول أن يجد مخرجاً للزاني. ورد في البخاري عن أنس قال: جاء رجل إلى النبي وأنا عنده، فقال: يا رسول الله، أصبتُ حداً فأقِمْه عليَّ. فلم يسأله النبي عنه. وحضرت الصلاة فصلى مع النبي. فلما قضى النبي الصلاة قام إليه الرجل فقال: يا رسول الله إني قد أصبت حداً فأقم فيَّ كتاب الله. قال النبي: أليس قد صليتَ معنا؟ قال: نعم، قال: فإن الله قد غفر لك ذنبك، أو قال: حدك,
وفي حديث ماعز عن ابن عباس قال: لما أتى ماعزُ بن مالك النبيَّ، قال له النبيُّ: لعلك قَبَّلْتَ أو غمزت أو نظرت؟ قال: لا يا رسول الله، قال: أَنِكْتَهَا لا يكني ، قال: نعم، فعند ذلك أمر برجمه (ألم يكن من الأدب أن يقول من أدعى النبوة وكرم الأخلاق لماعز: (هل ضاجعتها) بدل قوله السابق؟)
ولم يقرر محمد رجماً على العبيد والإماء، بل قال: إذا زنت الأمَة، فتبيَّن زناها، فليجلدها ولا يثرب، ثم إن زنت فليجلدها ولا يُثَرِّب عليها، ثم إن زنت الثالثة فليبعها ولو بحبلٍ من شعر, فلو كان محمد يقصد قداسة أتباعه لما فرَّق بين أمَة وحُرّة أو أسياد وعبيد.
(د)حدّشُرب الخمر:
لم يقرر الإسلام في بادئ الأمر أي إثمٍ على الخمر، لا قرآنياً ولا نبوياً، بل تم ذلك بتدرُّج مرحلي. بدأ قرآنياً بقول القرآن: وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً (سورة النحل 16: 67). ثم قال: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا (سورة البقرة 2: 219) ، ثم بعد ذلك قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ (سورة النساء 4: 43) ، وأخيراً يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (سورة المائدة 5: 9 ).
أما في السُنّة والحديث فلم يقرر محمد أي عقوبة محددة على الخمر، بل كان يضرب فيها بالجريد والنعال, ومما يدل على عدم تقرير محمد أية عقوبة على شرب الخمر ما قاله علي بن أبي طالب : ما كنت أُؤدي (أدفع دية) من أقمتُ عليه الحدّ (أي مات أثناء التطبيق) إلا شارب الخمر، فإن رسول الله لم يسنّ فيه شيئاً. إنما هو شيء جعلناه نحن, والأصل فيما قاله علي هو اجتهاد عليّ نفسِه حين سأله عمر عن شرب الخمر، لأنها كانت منتشرة وقتها لعدم تقرير عقوبة عليها، فقال علي: إنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وحدّ المفتري ثمانون جَلدة,
تساؤلات حول الخمر:
أثار المستشار سعيد العشماوي في كتابه أصول الشريعة ثلاثة تساؤلات حول الخمر:
1 - هل الخمر محرّمة (مع عدم وجود نص بذلك) أم مأمور باجتنابها وهو ما ورد به نص؟
2 - ما هي الخمر المقصودة في النص؟
يرى جمهور الفقهاء أن الخمر - لغةً - هو ما خامر العقل فخمره (غيَّبه عن الوعي)، وفي ذلك رُوي عن النبي كل مسكر حرام. ويرى آخرون أن الخمر لا تُطلَق إلا على النيئ من ماء العنب إذا غلا واشتد، وأن الخمر الوارد في هذه الآية هو هذا النوع لا سواه ( العقوبة لمحمد أبو زهرة، والرأي لأبي حنيفة). وأما ما عدا هذا النوع من الخمور فلا يُعتبر خمراً، ولكنه إن أسكر أوجب الحد قياساً لا نصاً لأن هناك أنبذة تؤخَذ من أطعمة حلال مثل نبيذ الذرة والحنطة والشعير والذرة والعسل والتين وقصب السكر والتفاح. وهذه (في رأي أبي حنيفة) لا حدَّ فيها، لأن الأصل فيها الحل، والسُّكر طارئ عليها. فلا عبرة بالطارئ، وإنما العبرة بالأصل وحده.
3 - هل هناك عقوبة محدَّدة شرعاً للخمر؟
اختلف الفقهاء في ذلك، لأن القرآن لم يتضمن أي عقوبة، كما أن النبي لم يأمر بحدّ واضح وإنما ضرب بالأيدي والجريد والنعال والثياب، وترك أحياناً مَن شرِب الخمر ولم يفعل به شيئاً سوى أنه ضحك وقال: أَفَعلها؟. ولكن العقوبة المقررة حالياً مجرد اجتهاد فقهاء كما سبق ووضحنا.
هل حرّم محمد الخمر فعلاً؟
من المشكوك فيه تحريم محمد للخمور والأنبذة على الإطلاق، ولكنه حرّم السُّكْر فقط، فقد ورد في صحيح مسلم كتاب الحج باب فضل القيام بالسقاية,
عن بكر بن عبد الله المُزني قال: كنت جالساً مع ابن عباس عند الكعبة فأتاه أعرابي، فقال: مالي أرى بني عمكم يسقون العسل واللبن وأنتم تسقون النبيذ. أَمِن حاجةٍ بكم أم مِن بُخل؟ فقال ابن عباس: الحمد لله، ما بنا حاجة ولا بخل! قَدِم النبيُّ على راحلته وخلفه أسامة فاستسقى، فأتيناه بإناءٍ من نبيذ، فشرب وسقى فضله أسامة، وقال: أحسنتم وأجملتم. كذا فاصنعوا فلا نريد تغيير ما أمر به الرسول.
وهناك أيضاً أثر ورد في العقد الفريد لابن عبد ربه ابن عبد ربه (باب احتجاج المحِلّين للنبيذ كله): أن النبي عطش وهو يطوف بالبيت، فأُتي بنبيذ من السقاية، فشمّه، فقطب. ثم دعا بذَنوبٍ مِن ماء زمزم، فصُبَّ عليه ثم شربه. فقال له رجل: أحرام هذا يا رسول الله؟ فقال: لا.
وقال الشعبي: شرب أعرابي من إداوة (إناء صغير للماء) لعمر، فانتشى، فحدّه عمر ، وإنما حدّه للسُكر لا للشراب (لاحظ أن الإناء والخمر التي به كانا لعمر وليس للأعرابي).
حد الرِدّة:
قبل أن نعرض الآراء في حد الرِدّة ذاته سوف نستعرض أشهر من قُتِلوا بتهمة الكفر والارتداد عن الإسلام منذ وفاة النبي وحتى اليوم.
تاريخ الفكر الدموي:
لعل أول من قتلَتْهُ فتوى هو عثمان بن عفان بن عفان ، وكانت الفتوى صادرة من عائشة زوج النبي، فكانت تقول: اقتلوا نعثلاً. لعن الله نعثلاً (نعثل اسم رجل مسيحي من المدينة كانوا يشبّهونه بعثمان لعِظم لحيته). ثم تذكر كتب السيرة بعد ذلك منع الناس من الصلاة عليه لكفره، ودفنه في مقابر اليهود.
وفي فترة الخلافة العباسية قُتل الحلاج الصوفي بتهمة الكفر، فصُلب وقُطِعت أطرافه وحُرقت جثته. وفي خِلافة أبي جعفر المنصور قُتل ابن المقفع بتلفيق تهمة الكفر له، وأمر المنصور بشيّ أعضائه وإطعامها له ",,
أما في العصر الحديث فقد قامت جماعة التكفير والهجرة في مصر بقتل الشيخ حسين الذهبي لأنه انتقد فكرَهم، فاتهموه بالكفر وقتلوه. وبعد ذلك قامت جماعة الجهاد في مصر (عام 1992) بقتل الدكتور فرج فودة لأنه انتقد فكرهم أيضاً، فكانت فتوى من أميرِهم بأنه كافر ومرتد، لذلك يجب أن يُقتَل، فقُتِل! وقد أصدر الخميني قبل موته فتواه الشهيرة بقتل سلمان رشدي لارتداده وكتابته كتاب آيات شيطانية.
وتلاحظ أن هذه التهمة تُلصق دائماً بالمخالفين في الرأي، وفي الرأي فقط. فأشهر من اتُّهِموا بالارتداد لم يحمل أحدهم سيفاً وما كان يوماً عنيفاً، بل أحياناً تُلقى هذه التهمة على أئمة الإسلام كأحمد بن حنبل ومالِك بن أنس وابن تيمية ، الذين سُجِنوا وعُذِّبوا لأنهم مرتدون من وجهة نظر مُعارضيهم. فهل حد الردّة هو القفاز الذي يُلقى في وجه من يخالفك في الرأي، فتتحيَّن الفرصة لقتله لأنه كافر؟
آراءٌ في الردّة:
أنكر بعض المفكرين المسلمين حد الردّة، ومنهم محمد سعيد العشماوي.يقول في كتابه أصول الشريعة :
كان أساس الدولة في العصور الوسطى يخالف أساس الدولة في العصر الحديث. ففي تلك العصور لم تكن فكرة الدولة في ذاتها واضحة محددة، وكان الدين هو أساس الدولة، كما كان التدين هو الجنسية وهو المواطنة. ففي الشرق الأدنى كان الإسلام هو الدولة، وفي أوربا كانت المسيحية. وكان المسلم مواطناً في أي مجتمع إسلامي وعضواً في كل جماعة مسلمة، كما كان المسيحي كذلك في المجتمع المسيحي والجماعات المسيحية. وكانت الأقلية الدينية تتمتع بحماية الأغلبية.
وبهذا المفهوم يُعتبر الخروج من الدين اقتراف جريمة الخيانة العظمى، لأن الذي يترك دينه إنما ينضم إلى دين الأعداء، وهو دولتهم. لذلك رُوي عن النبي أنه قال: مَنْ بَدَّل دينه فاقتلوه. وقال: لا يحل دم مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة. ولم يحدد النبي القصد بتبديل الدين: هل هو أي تبديل ولو كان إلى الإسلام من غيره؟ أم أن القصد تغيير الإسلام إلى غيره؟ غير أن السياق يفيد المعنى الأخير. ومِن ثمَّ فقد رُئي أن القتل هو جزاء المرتد عن شريعة الإسلام. وهناك خلاف فيما إذا كان يُستتاب أم لا.
على أنه لم يثبت أن النبي أقام حد الردّة على أحد.
(ولنا تعليق سنورده بعد كلام العشماوي).
ويورد المستشار سعيد العشماوي في ذلك آياتٍ قرآنية:
لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ (سورة البقرة 2: 256)
أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ؟ (سورة يونس 1 : 99)
وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُُّهُمْ جَمِيعاً (سورة يونس 1 : 99)
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (سورة المائدة 5: 69)
وتترك هذه الآيات للناس حرية اختيار الدين، ولا ترى إكراههم على الإسلام. ومن جانب آخر فإن عدم إكراههم على الإسلام ابتداءً يفيد عدم الإكراه للاستمرار عليه. ولا شك أنه لا خير فيمن يظل مؤمناً بدينه على خوف أو على إكراه. فمن أراد تغيير دينه حراً مختاراً فإن دينه براء منه. لن يخسر بفقدانه شيئاً، بل الخسارة في بقائه ملحداً به في البطن وهو في الظاهر يدّعي الإيمان.
هذا هو كلام أحد علمائهم، ولكن هناك من يعترض عليه ومن يؤيده. وسنورد الرأيين، ولكن قبل هذا نذكر تعليقنا على ما قاله سعيد العشماوي.
هل طبَّق النبي حد الردّة؟
ذكر العشماوي أن النبي لم يطبق حد الردّة. وقد اعترض البعض على ذلك مستندين إلى أحاديث البخاري في كتاب المحاربين من أهل الكفر والردّة حيث ذكر عن أنس أنس قال: قَدِم على النبي نفر من عُكل فأسلموا فاجتووا (أتوا) المدينة، فأمرهم أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها، ففعلوا. فصحُّوا وارتدّوا وقتلوا رعاتها واستاقوا الإبل. فبعث في آثارهم فأُتي بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم ثم لم يحمهم (يكوي جراحهم) حتى ماتوا.
ويقول البعض إن النبي لم يطبق عليهم حد الردّة بل حد الحِرابة (سنتكلم عنه لاحقاً) وهذا واضح من قطع أيديهم وأرجلهم لأنهم قتلوا الرعاة وسرقوا الإبل.
طريقان لا غير:
هناك طريقان للتعامل مع المرتد: إما أن نعتبره مجنوناً ونتركه حياً، مع حرمانه من كل حقوق المواطنين، أو أن نُنهي حياته بالقتل. ومن المؤكد أن الطريقة الأولى أشد قسوة من الثانية لأنها تجعله لا حياً ولا ميتاً، فالقتل أفضل له، إذ يضع نهاية لعذابه ولعذاب المجتمع في وقت واحد.
هذا الكلام السابق ليس لأحد الكتَّاب الذين يهاجمون الإسلام، لكنه للشيخ أبي الأعلى المودودي أمير الجماعة الإسلامية بباكستان، في كتابه عقاب المرتد الذي نقتبس منه أيضاً قوله: عندما توضع عقوبة الإعدام للمرتد موضع التنفيذ في حكومة إسلامية جديدة يبقى المسلمون داخل الجماعة المسلمة. لكن هناك خطر من وجود عدد كبير من المنافقين بينهم، وهذا يمثل تهديداً دائماً بالخيانة. وحلاً لهذه المشكلة أرى أنه حينما تقع ثورةإسلامية يُعلن جميع المسلمينغير الملتزمين تحّوُلهم عن الإسلام وخروجهم من المجتمع المسلم.. وذلك خلال عام واحد. وبعده يُعتَبَر المسلمون بالمولد مسلمين، وتسري عليهم كل القوانين الإسلامية، ويكونون ملزَمين بأداء كل فرائض الدين الواجبة. ومن أراد منهم بعد ذلك ترك الإسلام يُعاقَب بالإعدام.
ونعرض رأياً ثالثاً لأحد أئمة الطائفة الأحمدية، التي يعتبرها كثير من علماء الإسلام خارجة عن الإسلام ومن ينتمي إليها مرتد هو ميرزا طاهر أحمد إذ يقول: إن حرية التحول من الدين وإليه هي المحك الحقيقي لمبدأ لا إكراه في الدين. لا يمكن أن تكون الحرية في اتجاه واحد، هو اتجاه دخول الإسلام، ثم لا مخرج منه. هناك عشر إشارات في القرآن إلى الرجوع عن الإسلام، إحداها مكية في سورة النحل والتسع الباقية مدنية. ولم يرِد قط في أي واحدة منها ولو تلميحاً أن الإعدام جزاء من يرجع عن الإسلام. ويقول في موضع آخر من نفس الكتاب هناك آية في سورة النساء تقول: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً (سورة النساء 4: 137). فكيف يمكن للمرتد أن يتمتع بمهلة التردد بين الإيمان والكفر إذا كانت عقوبته القتل؟ فليس عند المقتول فرصة ليؤمن ثم يرتد مرة أخرى!. ويروي ميرزا طاهر أحمد طاهر أحمد قصة عفو النبي عن عبد الله بن سعد بن أبي سرح الذي كان كاتباً للوحي، ثم تنصّر ولجأ لمكة، فطلب النبي قتله يوم الفتح ولو كان متعلِّقاً بأستار الكعبة. فتشفَّع فيه عثمان بن عفان بن عفان لأنه أخوه في الرضاعة، فتركه النبي. ثم يقول ميرزا طاهر أحمد : وهكذا لا نجد هناك ولا شاهداً واحداً على أن النبي عاقب أحداً لارتداده عن الإسلام,
هل أمر محمد بقتل المرتد؟
المرتد يُقتَل!.. المرتد لا يُقتل بل يُستتاب!.. المرتد يُحبَس!
هذه العبارات ليست هذياناً وليس تهكماً، ولكنها حكم الإسلام. فالمرتد في الفقه الإسلامي يُقتَل، ولا يُقتَل، ويُحبَس، ويُستتاب، وكل هذه لها شواهد عند أهل الحديث. فمحمد يقول: من بَدّل دينه فاقتلوه, ولكنه لم يقتل عبد الله بن سعد بن أبي سرح، الذي كان كاتباً للوحي فتنَصَّر وترك المدينة إلى مكة, وعند فتح مكة أمر محمد بقتله ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة هو وابن خطل ولكنه لم يقتله لأن عثمان بن عفان طلب له الأمان,
أحاديث الردّة:
من المناسب أن نذكر الأحاديث التي وردت في عقوبة المرتد ونعلّق عليها من حيث السند والنص. وأول هذه الأحاديث وأشهرها:
1 - عن عكرمة قال: أتى علي بزنادقة، فأحرقهم. فبلغ ذلك ابن عباس ، فقال: لو كنتُ أنا لم أحرقهم، لنَهْي رسول الله لا تعذِّبوا بعذاب الله ولقتلتُهم لقول رسول الله مَنْ بدَّل دينه فاقتلوه. فبَلَغَ ذلك علياً فقال: ويح ابن عباس.
2 - وردت عدة أحاديث في سنن الدارقطني ، تحمل معنى واحداً وهو المرتدة عن الإسلام تُحبَس ولا تُقتَل.
3 - وردت أحاديث أخرى في سنن الدارقطني تحمل معنى مخالفاً وهو كل مرتد عن الإسلام مقتول إذا لم يرجع، ذكراً كان أم أنثى.
وللتعليق نقول:
سنتناول أولاً الأحاديث التي وردت في شأن المرتد في سنن الدارقطني، وقد تكلم محمد شمس الحق شمس الحق ، صاحب التعليق المغني على الدارقطني في بعضها وقال:
1 - حديث 118 لا تُقتَل المرأة إذا ارتدت فيه عبد الله بن عيسى كذاب.
2 - حديث 119 عن ابن عباس في المرأة ترتد، قال تُجبر ولا تُقتَل خالفه جماعة من الحفّاظ في المتن.
3 - حديث 12 المرتدة عن الإسلام تُحبَس ولا تُقتَل فيه محمد بن عبد الملك وضّاع بن عبد الملك وضّاع.
4 - حديث 122 أمر النبي بعرض الإسلام على أم مروان فإن رجعت وإلا قُتِلَتْ فيه معمر بن بكار وفي حديثه وهم.
5 - حديث 125 ارتدّت امرأة فأمر النبي أن تُستتاب وإلا قُتِلت فهو حديث منكر لأن فيه عبد الله بن أذينة.
6 - حديث 128 كل مرتد عن الإسلام مقتول فيه أبو جعفر أبو جعفر سيئ الحفظ. هذا ما قاله صاحب التعليق، بينما سكت عن أحاديث أخرى مما يعني صحة إسنادها. ويعني أيضاً أن لدينا أحاديث بقتل المرتد، وأحاديث أخرى بعدم قتله، وكلها صحيحة. أما الحديث الأول (حديث عكرمة عن ابن عباس) فقد ورد في معظم كتب الصحاح، والمفترض فيه الصحة. ولكن لنفحص هذا الحديث من حيث الراوي والسند والنص.
يقع هذا الحديث في طائفة أحاديث الآحاد (أي رواه راوٍ واحد، هو عكرمة). ومن الممكن أن يكون الحديث صحيحاً ومعتبراً، ولو كان من طريق راوٍ واحد. ولكنه لا يتساوى مع حديث له أكثر من طريق.
عكرمة:
وإذا بحثنا في شخص عكرمة نفسه نجد أنه كان رقيقاً عند ابن عباس وتلميذاً له، ولم يكن تلميذاً متحمساً بشهادته هو، حيث كان يقول إن ابن عباس كان يقيّده من يديه ورجليه ويعلّمه القرآن والسنّة, ويقول الذهبي إن عكرمة كان من المعارضين لعلي ، وكان يميل إلى الخوارج، وكان خارجياً، وروايته مريبة لا يُعتدّ بها. وكان مالك بن أنس يصنّف الأحاديث المروية عن عكرمة في بند الضعيفة الواهية.
ويرى بعض العلماء مثل يحيى بن سعيد الأنصاري وعلي بن عبد الله بن عباس وعطاء بن أبي ربيع أن عكرمة كان يميل إلى المبالغة,
ومن طريف ما يُروى عن عبد الله بن الحارث أنه عندما زار علياً بن عبد الله بن عباس وجد عكرمة مقيّداً خارج باب علي ، فقال لعلي : ألا تتّقي الله فيه؟ فأجابه علي بأن عكرمة كان يعزو أقوالاً باطلة إلى أبيه عبد الله بن عباس.
هذا هو الرجل الذي روى الحديث، وهو المرجع الوحيد الذي تتوقف عليه حياة الذين يُغَيّرون.. أو يُتَّهَمون بتغيير عقيدتهم.
موضوع الحديث:
إذا فحصنا موضوع الحديث وجدنا في بعضه أموراً غريبة:
1 - شخص في منزلة علي إسلامياً، هل يجهل منع الإسلام تعذيب الإنسان بالنار؟
2 - جملة مَنْ بَدَّل دينه فاقتلوه يمكن تفسيرها بعدة طرق. وهي على إطلاقها تَصْدق على الرجال والنساء والأطفال. ومع ذلك اختلف كثير من الفقهاء في هل تُقتَل المرأة المرتدة والطفل أم لا.
3 - لفظة دينه لفظة عامة لا تحدد ديناً معيناً. وعلى هذه الدلالة في لغة القانون يُقتَل كلمن يترك دينه لدين آخر.
لقد أطلنا الشرح في عقوبة المرتد في الفقه الإسلامي لنبيّن أن حياة الإنسان إسلامياً يمكن أن تُنهى نتيجة نسيان راوٍ أو ضعفه، وأنه بإمكانك أن تجد مبرراً إسلامياً لكل ما تفعل، سواء قلت بقتل المرتد أم لا.
أين هذا من تعاليم الراعي الصالح الذي يترك التسعة والتسعين ليبحث عن الواحد الضال حتى يُعيده ثانية حاملاً إياه على كتفيه فرِحاً؟ (لوقا 15: 5)
جاء رجلٌ من عند أبي موسى الأشعري إلى عمر بن الخطاب، فسأله عمر : هل كان فيكم من مغربة خبر؟ (خبر غريب) فقال: نعم، رجل كفر بعد إسلامه. فسأل عمر : فما فعلتم به؟ قال: قربناه فضربنا عنقه. فقال عمر: هلا حبستموه ثَلاثاً (أي ثلاثة أيام)، وأطعمتموه كل يوم رغيفاً، واستتبتموه لعله يتوب ويرجع لأمر الله؟ ثم قال عمر : اللهم إني لم أحضر ولم آمر ولم أرضَ إذ بلغني,,
ولنا سؤال: هل كان عمر لا يعلم حديث عكرمة أو لا يعلم أمر محمد بقتل المرتد؟ أم أن هذا الأمر اختُرِع بعد عمر ؟
حد الحِرابة (قطع الطريق):
جاء في سورة المائدة 5: 33 و34 إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
مناسبة هذه الآية أن قوماً قاموا من عرينة بقتل راعي أغنام محمد وسرقوا الغنم. فأرسل محمد مَن يأتي بهم. فلما جيء بهم، أمر أن تُقطع أيديهم وأرجلهم وتُفقأ أعينهم وأن يُتركوا في الصحراء حتى يموتوا1. والواضح من الآية وسبب نزولها أنها تقضي بالجزاء على من يُحارب الله ورسوله. فهل هي بذلك من الآيات الخاصة بشخص النبي، وأنه وحده الذي يوقّع الجزاء على من يحاربه ويحارب الله في شخصه؟
لقد جرى الفقه الإسلامي على اعتبار هذه الآية وهذا الحديث سنداً في إيقاع الحد على مَن يُحارب الجماعة وعلى قطع الطريق4,، مع أن هناك حديثاً يقول مَن حمل علينا السلاح فليس منّا 1. وهناك حديث آخر يقول: مَن خرج من الطاعة، وفارق الجماعة، فمات، مات ميتةً جاهلية. ومَن قاتل تحت رعاية عمية يغضب لعصبيَّة، أو يدعو لعصبيَّة أو ينصر عصبيَّة، فقُتل، فقتلةٌ جاهليَّة. ومن خرج على أمتي بسيفه، يضرب برَّها وفاجرها. ولا يتحاشى من مؤمنها، ولا يفي لذي عهدٍ بعهده. فليس مني ولست منه.
وهذان الحديثان لا يقرران حكماً على من يحمل السلاح على الجماعة أو يخرج عليها. فواضح بذلك أن الجزاء المنصوص عليه في الآية ليس جزاءً لمن يحمل السلاح على الجماعة أو يخرج على طاعتها، ولكنه خاص بشخص النبي. يؤيد ذلك سبب نزول الآية وظروف الحديث نفسه.
فقهٌ بلا فقه:
أوضح مثال للخلط هو توسُّع الفقه الإسلامي في تطبيق الآية على شيء ليست له. ولم يقتصر الأمر على تطبيق الآية والحديث في غير موضوعهما فقط، بل تعدّاهما إلى إعمال اجتهاد الفقهاء أيضاً. وطبقاً لذلك أصبح كل مَن يخالف الحاكم أو الفقيهفي الرأي يُتَّهم بالحرابة والخروج على الجماعة. ولو كان الخروج على أية جماعة كفراً، فسوف نجد أن جميع الأنبياء كفار، لأنهم خرجوا على جماعتهم وأتوا بما يخالف اعتقاد هذه الجماعة! بل أن بعضهم حمل السلاح على جماعته. فهل الخروج علىأي جماعة يُعتبر كفراً، وإن كانت جماعة فاسدة!؟
قد يُرَدُّ على هذا الكلام بأن الحرابة الموجبة للحد هي حمل السلاح على الجماعة المسلمة.
ولكن هذا الكلام لا يخلو من غلط، فالآية والحديث تعاقب مَن يحارب الله ورسوله. وقد يقوم مدعٍ فيقرر أن جميع الأمة خارجة على الله ورسوله، كما تفعل جماعات الإسلام السياسي. فكيف الحل؟ هل تقوم الأمة أيضاً بإلقاء نفس القفّاز في وجوه مخالفيها وتتّهمهم بالخروج على الجماعة، فيستحقون القتل؟ وتكون النتيجة سيولاً من دماء؟
6 - أحاديث النكاح والزواج</ p>
تبنَّى الإسلام من المرأة عموماً، سواء كانت زوجة أو أماً أو بنتاً، نفس النظرة التي كانت سائدة في شبه الجزيرة العربية في زمن محمد. وسنحاول في هذا الفصل أن نعرض وجهة النظر الإسلامية في المرأة من خلال الأحاديث التي رواها أصحاب محمد عنه.
مكانة المرأة:
أول ما يطالعنا في شأن المرأة وضعها الغريب ككائن أقل من الرجل، فالاسم الذي اختاره المسلمون للزوج هو البعل وهو يعني السيد أو الرب أو الصاحب، مما يعني امتلاكه للمبعولة (الزوجة) أو المربوبة. وقد صار هذا التقليد حتى اليوم في كل الدول العربية الإسلامية حتى في أعلى المستويات ثقافياً واجتماعياً، فتجدهم يقولون حرم الرئيس أو حريم السلطان.
محمد والمرأة:
وإذا حاولنا أن نرسم صورة المرأة في الإسلام من خلال الأحاديث فسنجدها تقول:
1 - إن المرأة تُقبِل في صورة شيطان وتُدبِر في صورة شيطان، فإذا أحدكم أعجبته امرأة فوقعت في قلبه فليعمد إلى امرأته فليواقعها، فإن ذلك يردُّ ما في نفسه.
2 - إن المرأة خُلِقَت من ضلع، لن تستقيم لك على طريقة، فإن استمتعت بها استمتعت بها وبها عوَج، وإن ذهبْتَ تُقيمها كسَرْتَها، وكسرها طلاقها.
3 - لولا بنو إسرائيل لم يخنز (يفسد) اللحم، ولولا حواء لم تخُن أنثى زوجها الدهر.
4 - إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت، فبات غضبان، لعنتها الملائكة حتى تُصبِح.
5 - لو كنتُ آمر أحداً أن يسجد لأحدٍ، لأمرتُ المرأة أن تسجد لزوجها.
6 - لا يُسأل الرجل فيما ضرب امرأته عليه
7 - ثلاثة لا تُقبَل لهم صلاة، ولا تصعد لهم حسنة: العبد الآبِق حتى يرجع إلى مواليه، والمرأة الساخط عليها زوجها، والسكران حتى يصحو.
8 - ما تركتُ بعدي فتنةً أضرّ على الرجال من النساء
9 - اطَّلعتُ في النار فرأيت أكثر أهلها النساء، وأطَّلعتُ في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء
1 - الشؤم في ثلاثٍ، في: المرأة، والفرس، والدار
11 - الحصير في ركن البيت خيرٌ من امرأة لا تلد, وهذا الحديث ضعيف، ولكن له طرق أخرى يقوي بعضها بعضاً.
12 - النساء ناقصات عقلٍ ودين
صورة المرأة:
المرأة بناءً على الأحاديث السابقة هي:
الشيطان الذي لم تُترك فتنة على الرجال أشد منها، والضلع الأعوج الذي لا يستقيم، وهي أكثر أهل النار، وناقصة عقلياً ودينياً، ولا تساوي أكثر من حصير إذا كانت عاقراً، وهي مَن يُضرَب دون أن يُسأل ضاربها عن السبب، وهي تكاد أن تكون جاريةً عند زوجها حتى كاد النبي أن يأمرها بالسجود له، وهي وسيلة التفريغ الجنسي لزوجها، وهي مأمورةٌ بإجابة زوجها في شهواته تحت أي ظرف، وإن هي رفضت لعنَتْها الملائكة، وهي أحد رموز الشؤم.
ولنا أن نسأل: هل هذا هو التكريم؟ هل هذه هي الصورة التي يقدمها الله ورسوله للمرأة؟
المرأة والزواج:
بالرغم من تحديد محمد للزوجات بأربع، فإننا لا نكاد نجد في صحابته من التزم بهذا. فقد تزوج كل من عمر وعلي وعثمان بن عفان تسعاً. ولعل عليّاً تزوجهن بعد وفاة محمد ، فقد رفض محمد أن يتزوج عليٌّ زوجة أخرى مع فاطمة ابنة محمد. وسبب هذا العدد الكبير من الزوجات أن محمداً جعل لهم في الطلاق وسيلة بديلة عن تعدد الزوجات، فكانوا يتزوَّجون ويطلقون كيفما شاءوا، بالإضافة إلى ما ملكت أَيْمانهم. ومن الصحابيّات من تزوَّجت بأكثر من أربع، كعاتكة بنت زيد ابنة عم عمر بن الخطاب تزوجت عبد الله بن أبي بكر وعمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله ومحمد بن أبي بكر بن أبي بكر وعمرو بن العاص.
قيمة المرأة:
رُوي عن سهل بن سعد : أن رسول الله (ص) جاءته امرأة فقالت: يا رسول الله، جئت أهب لك نفسي. فنظر إليها رسول الله (ص) فصعّد فيها النظر وصوّبه ثم طأطأ رأسه. فلما رأت المرأة أنه لم يقضِ فيها شيئاً جلست. فقام رجلٌ من أصحابه فقال: يا رسول الله، إن لم يكن لك بها حاجة فزوِّجنيها. فقال: وهل عندك شيء؟ قال: لا والله يا رسول الله. فقال: اذهب إلى أهلك فانظر، هل تجد شيئاً؟ فذهب ثم رجع فقال: لا والله ما وجدتُ شيئاً. فقال محمد : انظر ولو خاتماً من حديد. فذهب ورجع فقال: لا والله يا رسول الله ولا خاتماً من حديد، ولكن هذا ردائي. فقال سهل: ما له رداء غيره، فلها نصفه. فقال رسول الله: ما تصنع بإزارك؟ إن لبسْتَه لم يكن عليها منه شيء، وإن لبسَتْهُ لم يكن عليك منه شيء. فجلس الرجل حتى إذا طال مجلسه قام، فرآه رسول الله مُولِّياً فأمر به فدُعي. فلما جاء سأله: ماذا معك من القرآن؟ قال: معي سورة كذا وسورة كذا. فقال: تقرؤهن عن ظهر قلبك؟ قال: نعم. قال: اذهب فقد ملكتها بما معك من القرآن.
فهل إلى هذا الحد تُمتَهَن المرأة حتى تُمَلَّك لأي شخصٍ وبأي ثمنٍ؟!
محمد وتعدد الزوجات:
أمر محمد أصحابه بتعدد الزوجات، أو قل أباحه لهم. فهل كان هو نفسه يقبل تعدد الزوجات؟
هذا أمرٌ فيه نظر، فقد رُوي عن النبي أنه قال: إن بني هشام بن المغيرة استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم من علي بن أبي طالب ، فلا آذن، ثم لا آذن، إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم، فإنما ابنتي بضعةٌ مني، يريبني ما أرابها، ويؤذيني ما أذاها,
فبالرغم من أن محمداً أباح تعدّد الزوجات لنفسه ولأصحابه، إلا أنه لم يقبله لزوج ابنته، لأنه يعلم ما في ذلك من إيذاءٍ للمرأة.
وهناك حديث آخر لمحمد عن عائشة قالت: جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى النبي فقالت: إني كنت عند رفاعة فطلَّقني، فبتَّ طلاقي (أي طلقها ثلاث مرات) فتزوجتُ بعده عبد الرحمن بن الزبير، وما أنا معه إلا مثل هُدبة الثوب (كناية عن الضعف الجنسي). فقال: أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ قالت: نعم. قال: لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك كناية عن الجماع نعتقد أن هذا الحديث لا يحتاج منا إلى تعليق، فمكانة المرأة ومشاعرها عند محمد تتجلى فيه بأوضح صورة.
الإسلام والطلاق:
في موقف الإسلام من الطلاق امتهان للمرأة، فليس للمرأة حقٌّ في طلب الطلاق. قال محمد : أيُّما امرأة سألت زوجها طلاقاً في غير ما بأس، فحرامٌ عليها رائحة الجنة والزوج إذا طلق امرأته له أن يعيدها إليه في أي وقت يشاء قبل انقضاء عدّتها (ثلاثة أشهر) دون أن يحتاج إلى موافقتها. أما إذا أرادت المرأة أن تترك زوجها فعليها أن تردّ له كل شيء لها، أو أن تشتري نفسها منه، وهو ما يُسَمّى في الإسلام الطلاق بالخُلع فقد ورد عن نافع أن صفية بنت أبي عبيد اختَلَعَتْ من زوجها بكل شيء لها فلم ينكر ذلك عبد الله بن عمر
حديث فاطمة بنت قيس:
عن فاطمة بنت قيس في المطلقة ثلاثاً أن النبي قال: ليس لها سكنى ولا نفقة
وقد أثار حديث فاطمة هذا جدلاً كبيراً بين أصحاب محمد أنفسهم، فقد طعن فيه عمر بن الخطاب وعائشة وأسامة بن زيد أسامة بن زيد ومروان بن معاوية وسعيد بن المسيب، وغيرهم.
ولنا أن نسأل: إذا كان الحديث صحيحاً رواه مسلم وغيره، فما موقف الذين طعنوا فيه؟ وإن كان الطاعنون فيه على صواب، فما قوة الحديث، وبالتالي ما هي قوة صحيح مسلم؟
وهل للمطلقة ثلاثاً نفقة وسُكنى أم لا؟
هذا هو ما قاله محمد عن المرأة والزواج. ولعل أعجب وأغرب شيء هو إباحة محمد لزواج المتعة (سنتكلم عنه تفصيلياً في الفصل القادم) الذي لا يخرج عن كونه زنا مقنّناً.
ولنا سؤال أخير: هل هذه هي شريعة الله؟
7 -أحاديث زواج المتعة
زواج المتعة من المواضيع التي أرَّقَتْ كثيرين من علماء المسلمين إلى اليوم، وهو من أكثر المواضيع التي اختلف عليها الفقهاء. فما هو زواج المتعة؟ ولماذا كل هذا الاختلاف حوله؟
طبيعة زواج المتعة:
زواج المتعة هو الزواج لأَجَلٍ (زواج مؤقّت) مقابل أجرٍ (مهر) يُتَّفق عليه بالتراضي، ولو كان قبضةً من تمرٍ أو من دقيق، وينتهي بانتهاء المدة المحدَّدة بغير حاجة إلى إجراءات طلاق. وله حدٌّ أدنى لدى السنّة ثلاثة أيام وليس له حدٌّ أقصى، أما عند الشيعة فقد يكون الأَجَل ساعة وقد يكون عدة سنوات، ويثبت بزواج المتعة نسب الأبناء وميراثهم. أما الزوجة فلا ترث وليس لها نفقة إلا إذا اشترطت ذلك عند الزواج.
وزواج المتعة غير محدد بعدد كالزواج العادي، فقد رُوي عن ابن جريج فقيه مكة أنه تزوج سبعين امرأة بالمتعة تأكيداً لحلِّها. ويجوز إسلامياً تجديد مدة الزواج بعد انتهاء المدة المتفق عليها مرّة ومرّات دون الحاجة إلى محلِّل ( إسلامنا في التوفيق بين السنة والشيعة لمصطفى الرافعي، و روح التشيُّع لعبد الله نعمة وهما مرجعان شيعيان، يؤمن صاحباهما بحلّ المتعة، على عكس أهل السنّة).
بناءً على ما سبق يستطيع أي مسلم من وجهة نظر المُحلِّين للمتعة أن يتزوج أية امرأة مسلمة أو كتابية بعقد زواج محدد (خمس ساعات مثلاً) مقابل مبلغ محدّد يتفقان عليه (عشرة دنانير مثلاً). فإذا انتهت الساعات الخمس انتهى الأمر بلا حاجة للطلاق. (ماذا يفرق هذا عن الزنى …)
أحاديث المتعة:
نظراً لغرابة الموضوع وخطورته وحساسيته، ننقل نصوص أحاديث المتعة كما جاءت في كتب الحديث. وسنكتفي بالتعليق وتوضيح بعض الأمور في نهاية هذا الفصل، مكتفين بذكر روايةٍ واحدة للحديث دون ذكر المكرَّر.
صحيح البخاري:
جاء في صحيح البخاري أربعة أحاديث:
1 - عن أبي طالب أبي طالب قال نَهَى رسول الله عن المتعة عام خيبر وعن لحوم الحمُر الإنسية
2 - عن ابن عباس أنه سُئِل عن متعة النساء فرخّص فيها، فقال له أحد مواليه: إنما ذلك في الحال الشديد وفي النساء قِلّة أو نحوه فقال ابن عباس : نعم
3 - عن جابر قال: كنا في جيش فأتانا الرسول فقال إنه قد أُذِن لكم أن تستمتعوا، فاستمتِعوا
4 - عن سلمة بن الأكوع عن أبيه عن النبي قال: أيُّما رجل وامرأة توافقا فعشرة ما بينهما ثلاث ليال. فإن أحبّا أن يتزايدا أو يتتاركا تتاركاً.
صحيح مسلم:
ورد في صحيح مسلم,تسعة وعشرون حديثاً أغلبها مكرر، ولذا سنذكر رواية واحدة لكل حديث دون ذكر المكرر. وجميعها من الباب المذكور:
1 - عن قيس قال: سمعت عبد الله يقول: كنا نغزو مع الرسول ليس لنا نساء، فقلنا: ألا نختصي؟ فنهانا عن ذلك. ثم رخَّص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أَجَلٍ. ثم قرأ عبد الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَايُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ,(سورة المائدة 5: 87)
2 عن جابر بن عبد الله وسلمة بن الأكوع قالا: خرج علينا منادي الرسول، فقال: إن الرسول قد أذن لكم أن تستمتعوا، يعني متعة النساء
3 - قال عطاء : قدم جابر فجئناه في منزله، فسأله قوم عن أشياء. ثم ذكروا المتعة. فقال نعم. استمتعنا على عهد الرسول وأبي بكر أبو بكر وعمر
4 - عن إياس بن سلمة عن أبيه قال: رخص الرسول عام (أوطاس) في المتعة ثلاثاً ثم نهى عنها
5 - عن سبرة الجُهَنيّ قال: أذن لنا الرسول بالمتعة، فانطلقت أنا ورجلٌ إلى امرأة من بني عامر كأنها بكرة عيطاء (ناقة فتية). فعرضنا عليها نفسينا. فقالت: ما تعطي؟ فقلت ردائي، وقال صاحبي: ردائي. وكان رداء صاحبي أجود من ردائي، وكنت أشبَّ منه. فإذا نظَرَت إلى رداء صاحبي أعجبها، وإذا نظَرَت إليَّ أعجبْتُها. ثم قالت: أنت ورداؤك يكفيني. فمكثتُ معها ثلاثاً. ثم إن الرسول قال: مَنْ كان عنده شيء من هذه النساء التي يتمتع بهن فلْيُخَلِّ سبيلها,
6 - عن علي بن أبي طالب أنه سمع ابن عباس يُلَيِّن في النساء فقال: مهلاً يا ابن عباس ، فإن رسول الله نهى عنها يوم (خيبر) وعن لحوم الحمر الإنسية
7 - عن ابن الزبير قال: إن أناساً أعمى الله قلوبهم كما أعمى أبصارهم (يعرّض بابن عباس لإصابته بالعمى في آخر حياته) يفتون بالمتعة. فناداه ابن عباس وقال له: إنك لجلف جاف، فلعمري لقد كانت المتعة تُفعل على عهد إمام المتّقين رسول الله. فقال ابن الزبير : فجرب بنفسك! فوالله لئن فعلتها لأرجمنّك بأحجارك ",,
سنن أبي داود:
1 - عن الزهري قال: كنا عند عمر بن عبد العزيز ، فتذاكرنا متعة النساء. فقال له رجل يُقال له ربيع بن سبرة: أشهد على أبي أنه حدث أن الرسول نهى عنها في حجة الوداع (لاحظ أنه سبق ذكر ثلاث مناسبات للتحريم، هي غزوة خيبر، وفتح مكة، ويوم أوطاس. وحجة الوداع هي المناسبة الرابعة)
2 - عن الربيع بن سبرة عن أبيه أن النبي حرَّم متعة النساء
سنن ابن ماجة:
ورد في سنن ابن ماجة ثلاثة أحاديث في باب نكاح المتعة، أحدها عن علي بن أبي طالب عن تحريم المتعة عام خيبر، والثاني عن سبرة عن تحريمها في حجة الوداع، والثالث وهو ما سنذكره لأنه لم يرد في المراجع السابقة. عن عمر بن الخطاب قال لما وَلي الخلافة، أذن النبي لنا في المتعة ثلاثاً ثم حرمها. واللهِ لا أعلم أحداً يتمتع وهو محصن إلا رجمته بالحجارة. إلا أن يأتيني بأربعةٍ يشهدون أن رسول الله أحلَّها بعد أن حرَّمها
سنن النَّسائي:
ورد في سنن النَّسائي أربعة أحاديث في زواج المتعة، ثلاثة منها تكرار لحديث علي عن تحريمها يوم خيبر، والرابع هو حديث سبرة دون تحديد زمن النهي. غير أن هناك إحدى الروايات تقول عن علي إنه قال: نهى الرسول عن المتعة يوم خيبر. قال المثني يوم حنين، وقال: هكذا حدّثنا عبد الوهاب من كتابه
الملاحظ أن المثني ذكر يوم حنين كمناسبة للتحريم، وهي المناسبة الخامسة.
سنن الترمذي:
ورد في الترمذي حديثان عن المتعة، أحدهما هو حديث علي بتحريمها زمن خيبر، والآخر عن ابن عباس قال: إنما كانت المتعة في أول الإسلام. كان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة، فيتزوج المرأة بقدر ما يرى أنه يقيم، فتحفظ له متاعه وتُصلح له شيئه، حتى إذا نزلت إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ (سورة المؤمنون 23: 6) قال ابن عباس : فكل فَرْجٍ سوى هذين فهو حرام
والملاحظ على هذا الحديث اختلافه عمّا هو مشهور من رأي ابن عباس في المتعة.
سنن الدارمي:
جاء في سنن الدارمي ثلاثة أحاديث، كلها سبق ذكرها، وهي تنهى عن المتعة. غير أن كلاً منها يحدد أن النبي نهى عنها في زمنٍ مختلف. فيقول أحدها إن النهي كان عام الفتح، والثاني في حجة الوداع، والثالث في عام خيبر
مُسنَد ابن حنبل:
ورد في مسند ابن حنبل عدة أحاديث عن المتعة معظمها مكرر، وسنكتفي بذكر حديثٍ واحد فقط لأهميته، وهو عن جابر بن عبد الله قال: كنا نتمتع على عهد رسول الله وأبي بكر وعمر رضي الله عنهم حتى نهانا عمر عنه أخيراً يعني متعة النساء
وللتعليق نقول: لعل القارئ لاحظ غرابة موضوع زواج المتعة وغرابة أحاديثه، ولعله لم يصل أيضاً إلى أي نتيجة بخصوصه، ولم يعلم هل الذي حرمه هو النبي أم عمر بن الخطاب؟ وإن كان النبي حرمه، فهل كان هذا في حجة الوداع أم في عام الفتح، أم في أوطاس، أم في عام خيبر، أم في حُنين؟ أم أنه حرّمه في كل هذه المناسبات جميعاً؟
وإن كان النبي حرّمه في كل هذه المناسبات، فهل هذا يعني أنه كان يبيحه ثم ينهى عنه حسب الحاجة وحسب الظروف؟ أم أنه كان ينهى عنه دون إباحة بين مرات النهي المتعددة؟ ولماذا؟ هل كان ينهى أصحابه عنه لكنهم لا ينتهون، فيضطرّ لنهيهم مرّة أخرى، أم ماذا؟ ولعل القارئ يتعجب إذا عرف أن أصحاب النبي أنفسهم اختلفوا اختلافاً شديداً حول المتعة، فكان من المعارضين له عمر بن الخطاب وعبد الله بن الزبير وأبو حنيفة ومالك والشافعي وزيد وابن حنبل وغيرهم. وأما المؤيدون له، فهُم عبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود وأُبيّ بن كعب وابن جريج أبو جريج وقتادة وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيّب ، وجميع أئمة الشيعة.
والأعجب من هذا هو موقف أهل السُّنة والشيعة حول زواج المتعة، فالسنة يرون أنه زنا وبغاء ودعارة ومحرَّم إلى يوم القيامة، بينما يرى الشيعة أنه زواج لا شُبهة فيه، وأن النبي لم يحرّمه، بل حرَّمه عمر بن الخطاب.
وهنا سؤال مُلحّ: هل المتعة زواج أم زنا؟ وهل قال النبي هذه الأحاديث مع تضاربها، أم لا؟ فإن كان قالها، فما تفسير هذا التضارب؟
وإن لم يكن هو قائلها، فما هي قوة كل كتب الحديث التي روت هذه الأحاديث؟
أحاديث الأضاحي
الأضحية في الإسلام:
موضوع الأضاحي والذبائح من المواضيع الأكثر إبهاماً في الإسلام، فليس للأضحية في الإسلام فلسفة ما. والمسلمون يذبحون سنوياً (في عيد الأضحى) لقول محمد مَنْ كان له سعة ولم يضحِّ فلا يقرُبنّ مُصلَّانا
ومن الذبائح في الإسلام ما يُسمى بالعقيقة وهي ذبيحة تُذبح عن المولود في اليوم السابع، فقد قال محمد : كلُّ غلام رهينة بعقيقته تُذبح عنه اليوم السابع، ويُحلق رأسه، ويُسمَّى 15.
وفي حديث آخر يقول محمد : ما عمل ابن آدم يوم النحر (الذبح) عملاً أحبَّ إلى الله من هِراقة (سفك) دمٍ، وإنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها، وإن الدَّم ليقع من الله عّز وجلّ بمكان قبل أن يقع على الأرض، فطيبوا بها نفساً
وبالإضافة إلى ما سبق فقد وضع محمد شروطاً خاصة للذبيحة، منها أن تكون ذكراً، فقد قال: أمِرتُ بيوم الأضحى عيداً جعله الله لهذه الأمة. فقال له رجل: أرأيت إن لم أجد إلا منيحة أنثى، أفأضحّي بها؟ فقال: لا، ولكن خذ من شعرك وأظفارك وتقُصُّ من شاربك، وتحلق عانتك، فذلك تمام أضحيتك عند الله
ومن شروط الذبيحة أن تكون بلا عيب لقوله: أربعٌ لا تُجزى في الأضاحي: العوراء البيِّن عوَرها، والمريضة البيّن مرضُها، والعرجاء البيِّن عرَجها، والكسيرة التي لا تُنقى (لا تقدر على السَّير) هذا بالإضافة إلى عدة شروط أخرى، كأن يكون الذبح لله، وبنيّة خالصة، واختيارياً، وقدر استطاعة الفرد.. إلخ,
وكل الأحاديث السابقة تجعلنا نسأل:
لماذا وُضِعَتْ هذه الشروط للذبائح؟
ولماذا يقع الدَّم من الله بمكانٍ قبل أن يصل للأرض؟
ولماذا يُرهَن الغلام بذبيحة تُذبح عنه في اليوم السابع؟
فلسفة الذبائح في المسيحية:
بسبب غموض موضوع الذبائح في كتب الفقه والحديث الإسلامية، ندرس موضوع البحث دراسة مسيحية خالصة. وقد جاءت أول إشارة عنه في تكوين 3: 21 وَصَنَعَ الرَّبُّ الْإِله لِآدَمَ وَامْرَأَتِهِ أَقْمِصَةً مِنْ جِلْدٍ وَأَلْبَسَهُمَا فوجود أقمصة الجلد يلزمه وجود ذبيحة. وهذه أيضاً أول إشارة عن دور الذبيحة في تكفير (تغطية) الخطية. وتوالت بعد ذلك الإشارات للذبيحة في قصة قايين وهابيل (تكوين 4). أما العبادة اليهودية فكلها ذبائح وأضاحي، فقد كان اليهود يعيّدون عيد الفصح كل عام فيذبحون شاة، تذكاراً لنجاتهم من استعباد فرعون لهم، وعبور الملاك المهلك على بيوتهم التي وضعوا الدم على عتبة أبوابها العليا وعلى قائمتي أبوابها (خروج 12). كما كانوا يحتفلون بيوم الكفارة العظيم سنوياً للتكفير عن ذنوب الشعب (لاويين 16). وكما في الإسلام كذلك في التوراة، هناك شروط في الذبيحة. وقد وُضعت شروط التوراة لتوضح العلاقة بين الرمز (الذبيحة) والمرموز له (المسيح)، وهذه الشروط هي:
1 - أن تكون الذبيحة، كل ذبيحة، بلا عيب، لأنها ترمز للمسيح الذي بلا خطية، فيقول في تثنية 15: 21 وَلكِنْ إِذَا كَانَ فِيهِ عَيْبٌ، عَرَجٌ أَوْ عَمىً، عَيْبٌ مَا رَدِيءٌ، فَلَا تَذْبَحْهُ لِلرَّبِّ إِلهِكَ.
2 - وكانت هناك ذبائح اختيارية، إشارة إلى أن المسيح وضع نفسه بإرادته واختياره (لاويين 22: 19 4وعدد 15: 3 وتثنية 16: 1 وعزرا 3: 5 ).
3 - يكون تقديم الذبيحة لله فقط، رمزاً للمسيح الذي أسلم نفسه لأجلنا قرباناً وذبيحةً لله رائحة طيبة (خروج 22: 2 و أفسس 5: 2)
4 - يجب أن تُقَدّم الذبائح بالشكر (مزمور 5 : 8 و14) وبقلبٍ مستقيم (إشعياء 1: 13).
ويعلّمنا الكتاب المقدس أنه بدون سفك دم لا تحصل مغفرة (عبرانيين 9: 21) وهذا ما فعله المسيح الَّذِي فِيهِ لَنَا الْفِدَاءُ، بِدَمِهِ غُفْرَانُ الْخَطَايَا، حَسَبَ غِنَى نِعْمَتِهِ (أفسس 1: 7)
وقد جاءت في العهد القديم عدة إشارات عن دم المسيح (خروج 12: 13 و29: 16 و3 : ولاويين 1: 45.. إلخ). وفي العهد الجديد وَرَدَت عدة نصوص تؤكد الفداء والتطهير بدم المسيح (كولوسي 1: 2 وعبرانيين 1 : 19 و12: 24 و1بطرس 1: 2 6 1 بطرس1 يوحنا1:,4. إلخ).
وقد وَضّحَ المسيح هذه الرمزية بينه وبين الذبائح حينما قال: هـذَا هُوَ دَمِي الَّذِي لِلْعَهْدِ الْجَدِيدِ الَّذِي يُسْفَكُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا (متى 26: 28). وكذلك فَعَل يوحنا المعمدان حين رأى المسيح، فقال: هُوَذَا حَمَلُ اللّه الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ (يوحنا1: 29 و36).
كانت القرابين والذبائح في اليهودية رمزاً للذبيح الأعظم، حَمَل الله الذييرفع خطية العالم، وكان الدم رمزاً لدمه الذي يطهر من كل خطية. فالكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد يدور حول فكرة الفداء بدم المسيح، ففي العهد القديم نجد أكثر من 3 نبوة وإشارة عن المسيح، وفي العهد الجديد نجد تحقيق هذه النبوات,
كيف دخلت الذبائح الإسلام؟
عندما نريد أن نعرف تاريخية شيءٍ ما فعلينا أن نرجع لجذوره التراثية. فلنرجع لتاريخ العرب قبل الإسلام، وهم بشرٌ يؤثّرون في الآخرين ويتأثّرون بهم.
ومن الثابت تاريخياً أنه ليس للعرب أية سجلات تاريخية توضح حال شبه الجزيرة العربية في فترة ما قبل الميلاد. فالمعروف أن النبي إبراهيم، خليل الله، عاش تقريباً من 2 25 - 185 ق.م، ولكن التاريخ العربي لم يسجل شيئاً عنه، وكانت قصته مجهولة تماماً عند العرب القدماء.
ومن المعروف أيضاً أن الديانة اليهودية ديانة غير كارزة، لا تدعو أحداً للدخول فيها، بل تقتصر على بني إسرائيل. لذا فاليهود لا يعنيهم ما يعرفه الآخرون عنهم. ولكنهم وجدوا أنفسهم مضطرين لتأليف مجموعة من القصص تمكّنهم من العيش وسط العرب، بعد أن طُردوا من فلسطين على عدة مراحل، كان أولها على يد تيطس الروماني عام 7 م، ثم عام 132م حينما حاولوا القيام بثورة ضد الرومان. وكان الملجأ الوحيد لهم هو شبه الجزيرة العربية لأنها لم تكن خاضعة للحكم الروماني. فكان عليهم أن يوجِدوا صلةً ما بينهم وبين العرب، تتيح لهم أن يعيشوا في بلادهم، فقاموا بصناعة الحلي والسيوف والكهانة، ثم اخترعوا فكرة قرابتهم للعرب، لأنهم أبناء عمومة، فجدّهم جميعاً هو إبراهيم، الذي أنجب اليهود من نسل ابنه إسحاق، وأنجب العرب من نسل ابنه إسماعيل! وهذه الصلة بالجد البعيد إبراهيم جعلتهم يربطون بين بئر سبع وبئر زمزم، وبين برية فاران التي عاش فيها إسماعيل وبين مكة,وانتقلت هذه القصة في الموروث الشعبي، نتيجة عدم تسجيل العرب لوثائق تاريخهم، كما كان يفعل اليهود والرومان والمصريون.
كان نتيجة ذلك أن استقرت هذه القصة في الأذهان كحقيقة واقعة مفادها أن إسماعيل عاش في مكة وأنه أبو العرب وأخو إسحاق أبي اليهود. ولذا فالعرب واليهود أبناء عمومة!
التراث اليهودي - الإسلامي:
نتيجةً لما سبق تأثّر العرب بالتراث اليهودي فظهر الحُنفاء الذين اتّخذوا طقوساً كثيرة من اليهودية وجعلوها نبراساً لهم، وكان منهم قُصيّ بن كِلاب أحد أجداد النبي، ومنهم جدّهُ عبد المطلب ، وزيد بن عمرو بن نفيل عم عمر بن الخطاب9, بن الخطاب.
وكانت نتيجة كل ذلك هو مولد محمد وسط هذا الموروث العقائدي الذي تأثر به كثيراً نتيجة لاحتكاكه بأقربائه الحنفاء, كما تأثر محمد بيهود المدينة موطن أخواله، وبيهود الشام واليمن في رحلاته التجارية. فكان أن أخذ محمد الطقس الموروث دون مدلولاته، فإنه أخذ أشياء كثيرة ممن كانوا قبله، كالصوم والصلاة والحج والحدود وكذلك أخذ طقس الفصح السنوي عن اليهود، لكن دون مدلوله وهو المسيح. ولعلنا لا نتجنّى إذا قلنا إن مفهوم الكتاب المقدس عن الذبائح يوضّح لماذا يقع الدم من الله بمكانٍ قبل أن يقع على الأرض. وذلك لأن هذا الدم كان يرمز إلى كفارة المسيح، الذي سُفِكَ دمه عن كثيرين وبه تُغفَر الخطايا. ولقد انتهت الآن كل الذبائح والقرابين التي تُقَدّم لله لأن المسيح لَيْسَ بِدَمِ تُيُوسٍ وَعُجُولٍ، بَلْ بِدَمِ نَفْسِهِ، دَخَلَ مَرَّةً وَاحِدَةً إِلَى الْأَقْدَاسِ، فَوَجَدَ فِدَاءً أَبَدِيّاً (عبرانيين 9: 12).
9 -أحاديث الإمارة (الخلافة)>
الخلافة (الإمارة) من الموضوعات الهامة لكل من أراد أن يعرف حال المنطقة العربية طوال 14 سنة هي تاريخ الإسلام، فبناءً على فهم المسلمين للخلافة كان تاريخهم. ولنبدأ من يوم وفاة محمد.
يروي الشيخان (البخاري والمسلم) أن عمر خطب الناس عند عودته من الحجّ، فقال: قد بلغني أن فلاناً منكم يقول: لو مات عمر بايعتُ فلاناً. فلا يغترن امرؤ أن يقول: إن بيعة أبي بكر كانت فلتة وتمَّت. ألا وإنها قد كانت كذلك. ألا إن الله وقى شرها، وليس فيكم اليوم من تُقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر ، وإنه كان من خيرنا حين تُوفي الرسول، وإن علياً والزبير بن العوام ومَنْ معهما تخلَّفوا في بيت فاطمة، وتخلّفت الأنصار عنّا بأجمعها في سقيفة بني ساعدة، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، أبي بكر فقلت له: يا أبا بكر أبي بكر ، انطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار. فانطلقنا نؤمّهم حين لقينا رجلين صالحين، فذكرا لنا الذي صنع القوم، فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ قلت: نريد إخواننا من الأنصار فقالا: عليكم ألّا تقربوهم، واقضوا أمركم يا معشر المهاجرين. فقلت: والله لنأتينَّهم. فانطلقنا حتى جئناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا هم مجتمعون، وإذا بين ظهرانيهم رجل مُزمَّل، فقلت: من هذا؟ قالوا: سعد بن عبادة ، فقلت: ما له؟ قالوا: وَجِع. فلما جلسنا قام خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله، وقال: أما بعد، فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم يا معشر المهاجرين رهط منّا، وقد دفَّت دافة منكم (أي المهاجرون) تريدون أن تختزلونا (أي الأنصار) من أصلنا وتحضنونا من الأمر (أي الخلافة). فلما سكت أردت أن أتكلم وقد كنت زوَّرت مقالة أعجبتني أردت أن أقولها بين يدي أبي بكر، وقد كنت أداري منه بعض الحد، وهو كان أحلم مني وأوقر. فقال أبو بكر : على رِسْلِكَ فكرهت أن أغضبه، وكان أعلم مني، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قال في بداهته مثلها وأفضل منها، حتى سكت، فقال: أما بعد فما ذكرتم فيكم من خير فأنتم أهله، ولم تعرفوا هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسباً وداراً، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين، فبايِعوا أيَّهما شئتُم. فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح أبو عبيدة بن الجراح وهو جالس بيننا، فلم أكره مما قال غيرها، وكان والله أُقَدَّم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك من إثم أحبُّ إليَّ من أن أتأمَّر على قوم فيهم أبو بكر. أبو بكر فقال قائل من الأنصار: أنا جزيلها المحكَّكُ، وعُذَيقها المرجب (أي أنه الجمل الذي يحتك لجربه) والغصن المتشعّب، (أي الذي يخالف الناس ولا يوافق على ما قيل)، مِنّا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش. وكثر اللغط، وارتفعت الأصوات حتى خشيت الاختلاف، فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر فبسط يده، فبايعتُه وبايعه المهاجرون، ثم بايعه الأنصار. أما والله ما وجدنا فيما حضرنا أمراً هو أوفق من مبايعة أبي بكر أبو بكر ، خشينا إن فارقنا القوم، ولم تكن بيعة أن يحدثوا بعدنا بيعة، فإما أن نبايعهم على مالا نرضى، وإما أن نخالفهم فيكون فيه فساد هذا الحديث من أطول وأوضح الأحاديث عن الخلافة، وقد رويناه كاملاً لعدة أسباب منها:
1 - الراوي: الشيخان، البخاري ومسلم في صحيحيهما، وهما أصح كتب الحديث عند المسلمين.
2 - المروي عنه: عمر بن الخطاب ، ثاني الخلفاء، وهو الذي قال فيه محمد : بينما أنا نائم أُتيت بقدح لبن، فشربت حتى أنِّي لأرى الرّيَّ يخرج في أظفاري. ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب بن الخطاب. قالوا: فما أوَّلته يا رسول الله؟ فقال: العلم.
3 - وقت الرواية: يوم موت النبي وهو مُسجى في البيت لم يُدفن بعد.
4 - موضوعها: الخلافة وهي من المسائل الهامة للدولة الوليدة.
5 - الحاضرون: أبو بكر وعمر وغيرهما من كبار المهاجرين، وسعد بن عبادة وغيره من كبار الأنصار.
6 - الغائبون: علي بن أبي طالب ، وهو من محمد بمنزلة هارون من موسى والزبير بن العوام ، وهو حواريّ النبي
7 - النتيجة: مبايعة أبي بكر الصديق. أبي بكر الصديق
قريش و السقيفة :
من الغريب وجود عدّة أحاديث صحيحة مع وجود الحديث السابق، أو مع حدوث حادث السقيفة، فقد طلب الأنصار أمر الخلافة لأنفسهم رغم وجود حديث يقول: لا يزال هذا الأمر (الخلافة) في قريش ما بقي منهم اثنان ألم يكن أبو بكر وعمر وسعد بن عبادة وجميع من في السقيفة يعلمون بهذا الحديث، وهم من كبار أصحاب محمد ؟ أم أن هذا الحديث مُختلَقٌ رغم وجوده في صحيح البخاري؟
ثم كيف يتفق موقف أبي بكر في محاولته أخذ البيعة لعمر أو لأبي عبيدة مع وجود حديث في صحيح مسلم عن عائشة قالت: قال لي رسول الله في مرضه: ادعي لي أبا بكر أباك، وأخاك، حتى أكتب كتاباً، فإني أخاف أن يتمنَّى مُتمنٍّ ويقول قائل: أنا أولى. ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر
فهل كان أبو بكر يجهل هذا الحديث وهو من هو؟ أم أنه كان يعلمه ويخالفه؟
ثم إذا كان هذا الحديث صحيحاً، لأنه ورد في صحيح مسلم، وحديث السقيفة صحيح لأنه ورد في البخاري ومسلم، فما هو موقف الحديث الصحيح الذي يرويه ابن سعد في طبقاته في باب ذكر ما قال العباس لعلي ج 2 ، حيث يقول عن فاطمة بنت محمد إنها قالت: لما توفي رسول الله قال العباس : يا علي ، قم حتى أُبايعك ومن حضر، فإن هذا الأمر، إذا كان، لم يرد مثله. والأمر في أيدينا. فقال عليّ : وأحدُ؟ (يعني يطمع فيه غيرنا). فقال العباس : أظن والله سيكون! فلما بويع لأبي بكر رجعوا إلى المسجد فسمع علي التكبير، فسأل: ما هذا؟ فقال العباس : هذا ما دعوتُك إليه فأبيتَ عليَّ! فقال عليّ : أيكون هذا؟ فقال العباس : ما رُدّ مثلهذا قط! فقال عمر : قد خرج أبو بكر من عند النبي، حين توفّي وتخلّف عنده عليّ وعبّاس والزُّبير ، فذلك حين قال عبّاس هذه المقالة,
فهذا الحديث يؤكد أن عليّاً حاول أن يكون الخليفة. فهل يجهل علي حديث خلافة أبي بكر وهو باب مدينة العلم؟ ثم كيف سلّم عليٌّ بالخلافة لأبي بكر ، رغم عدم مبايعة علي لأبي بكر ؟ وهناك عشرات الأحاديث الصحيحة التي تؤكد أن الخلافة من حق علي دون غيره، كما نذكر مثلاً لا حصراً:
1 - عن جابر، قال النبي وهو أخذ بضبع علي (ما بين الإبط إلى نصف العضد): هذا إمام البرَرة، قاتل الفجَرة، منصورٌ من نصَرَه، مخذولٌ من خَذَله,
2 - روى الحاكم عن محمد قوله: أُوحي إليَّ في علي ثلاث: أنه سيد المسلمين، وإمام المتقين، وقائد الغرّ المحجلين,
3 - قول النبي لعلي : مرحباً بسيد المسلمين، وإمام المتقين,
حديث غدير خم:
عن زيد بن أرقم، قال: لما دفع النبي من حجة الوداع ونزل غدير خم، أمر بدوحات فقام فينا خطيباً فقال: كأني دُعيت فأجبت، وإني تارك فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفونني فيهما، فإنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض. ثم قال: إن الله مولاي، وأنا وليُّ كل مؤمن ثم إنه أخذ بيد علي، فقال: من كنت وليُّه فهذا وليه. اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه
فكيف يترك علي الخلافة وهناك كل هذه الأحاديث التي تكاد تصل من صحتها (حسب رأي علماء الحديث) حد التواتر، وقد يقول قائل: إن علياً ترك الخلافة تواضعاً. فنجيبه بقول علي نفسه في نهج البلاغة مُعرِّضاً بأبي بكر وعمر : أما والله لقد تقمَّصها (لبسها كالقميص) فلان (يقصد أبا بكر) وإنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرَّحا. ينحدر عني السيل، ولا يرقى إليَّ الطَّير، فسدَّلتُ (أرخيت) دونها (أي الخلافة) ثوباً، وطويتُ عنها كشحاً (مِلتُ عنها) وطفقتُ أرتئي بين أن أحول بيد جذَّاء (مقطوعة)، وأصبر على طخية (ظلمة) عمياء، يهرم فيها الكبير، ويشيب فيها الصغير، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه! فرأيت أن الصبر على هاتي أحجى (ألزم). فصبرت وفي العين قذى، وفي الحلق شجى (جرحاً). أرى تراثي نهباً، حتى مضى